vendredi 18 mars 2011

دراسة أقصوصة الجبار لنجيب محفوظ



30-3-2009


1 – عنوان الأقصوصة
عنوان أقصوصة نجيب محفوظ "الجبار" يدل على التسلط بالنسبة إلى حامل الصفة، وعلى الإكراه بالنسبة إلى من يقع عليه فعلُ التسلط.
ولا يكتفي محفوظ بهذه الصفة يطلقها على أبرز شخصيات أقصوصته بل يشفعها بصفات أخرى، هي السيادة والسلطة والقانون والحياة والموت.
ونستنتج من هذه الصفات أنه الحاكم، وهو الذي يسنّ الشرائع أي يحدّد النظم والقواعد التي تسيِّر علاقات المجتمع، كما أنه صاحب القرار في مدّ حياة هذا وإزهاق حياة ذاك من الناس، ولا رادع له ولا حسيب، فهو "لا يسأل عما يفعل"، وموقف الناس كافة منه هو التسليم والمطاوعة فـ"الجميع يصدقونه دون مناقشة".
وتبقى صفة ينيطها به نجيب محفوظ وهي اسمه، إنه عبد الجليل، فهو سيّد الناس وعبد الله ذي الجلالة أي العظمة المترفعة عن الصغائر والمنزّهة عن العيوب، وهذا الاسم يضفي على صاحبه الخضوع والتذلل لله، ولكنه يخلع عليه مهابة دينية تضاف إلى سيادته الدنيوية.
2 – بداية الأقصوصة من نهايتها
ويبدأ نجيب محفوظ أقصوصته من زيارتها، فبداية الأقصوصة هي نهاية الأقصوصة عينها، ما يحمل على التساؤل عن السبب الذي حدا نجيب محفوظ على اعتماد هذه التقنية، والبحث عن تداعياتها على تكوين الأقصوصة والقارئ.
وتصدير الأقصوصة بخاتمتها يتضمن إعلامًا مسبقًا بالمكان "القرية" والزمان "الليل" والفلاحون المرهقون "القوم"، وحالة أبو الخير جسدًا "قدمان متورمتان" وروحًا "الخوف والألم"، وموقف الجماعة منه، والالماع إلى أن الرجل يواجه مصيره المحتوم "ماضيًا نحو مصيره" و"لم يبقَ منه إلا ما يبقى في الخاطر من حلم"، و"ضاع الرجل.. انتهى ابو الخير...".
ولا يقتصر تقديم نهاية الأقصوصة بجعلها بداية على الاعلام الاستباقي بل هو ينعكس أيضًا على طبيعة الأقصوصة، فالانطلاق من معلوم بل من نتائج يجعل الأقصوصة كلها تفسيرًا لهذا المعلوم وبسطًا لمسببات النتيجة، فالقارئ يعرف ما سيحصل ولكنه يجهل أسباب حصوله فتكون الأقصوصة عرضًا للأحداث والظروف والفعل ورادته أي شرحًا وتعريفًا. الانطلاق من نهاية الأقصوصة يعني الانطلاق من معلوم، وسرد الأقصوصة يعني تفسير المعلوم.
أما الانطلاق من بداية الأقصوصة والتدرج شيئًا فشيئًا إلى نهايتها فيعني الانطلاق من مجهول والكشف عن الأحداث والتحولات، وبذلك تصبح الأقصوصة بالنسبة إلى القارئ عملية اكتشاف، فالمعلوم يجعل الأقصوصة تفسيرًا، والمجهول يجعلها اكتشافًا.

3 – الترسيمة الخماسية
وننظر في بنية أقصوصة الجبار سندًا إلى الترسيمة الخماسية، وقوامها محطات خمس هي: الحالة البدئية، والعنصر المحرك، وردود الفعل، والحل، والحالة النهائية، وأخيرًا العبرة الناجمة عن مجمل الأقصوصة.
والحالة البدئية تتمثل في نوم أبو الخير في مخزن سيده: "وقعت مأساة أبو الخير في ما يشبه المصادفة، غلبه النعاس في مخزن الغلال بدوار سيده الجبار".
والعنصر المحرّك هو اعتداء الجبار على زنوبة اغتصابًا فقتلًا: "واستيقظ على حركة" وانتبه إلى الحركة التي أيقظته... هذا الصوت يعرفه. صوت زنوبة بنت عليوة، مذعورة كأن وحشًا يأكلها... هذا الصوت يعرفه أيضًا. صوت سيده... لعله الجبار مستوليًا على البنت كالفرخ بين مخالب الحدأة... وسمع وقع لطمة شديدة تُبعت بأنين... وسقوط جسم... وانهالت مطرقة القدم الغليظة على المتأوهة... وتواصل الأنين في الهبوط حتى اختفى...".
وردود الفعل على العنصر المحرك، بل على الحدثين المحركين: الاغتصاب والقتل، متعددة، وأوّلها خوف أبو الخير بسبب وجوده غير المبرّر في المخزن، وثانيها ردّ الجبار عن الاعتداء على زنوبة، وثالثها الفرار وما سيعقبه من أحداث وتقلبات. أما موقف الجبار فهو إلصاق جريميته بأبو الخير ومطاردته.
والحل يتمثل بالقبض على أبو الخير وإكراهه على العودة إلى القرية والاعتراف بأنه المجرم.
أما الحالة النهائية فيتركها نجيب محفوظ متأرجحة بين السجن والشنق وسلامة زوجة أبو الخير وابنته من الثأر بسبب اغتصاب زنوبة وقتلها.
وتبقى العبرة الإجمالية، وهي خمنية لم يسفر عنها نجيب محفوظ بل ترك أمرها لاجتهاد الباحث وفطنة القارئ كما نراه.
والأحداث بعد انعقاد أقصوصة "الجبار" لا تنقاد وفق خطتي التجاور والتعاقب غير المحكم، بل إن نجيب محفوظ يلجأ في حبكها إلى مبدأي السبب والنتيجة وتقنية التراوح القائمة على إيراد احتمالين ثم تخطي أحدهما بتغليب الآخر.
4 – منطق تسلسل الأحداث
ولنعرض لتسلسل الأحداث انطلاقًا من مبدأي السبب والنتيجة وتقنية التراوح. فقد وضع نجيب محفوظ بطله أبو الخير، في الحلقة الأولى من سلسلة الأحداث بين احتمالين: التمكن من مساعدة زنوبة، والفشل في ذلك، فغلب الفشل على النجاح ما أوصل الأقصوصة إلى حلقة ثانية تلي الفشل وهي اللجوء إلى القانون أو الفرار، فغلب الفرار، وبذلك انتقل إلى حلقة ثالثة في الحبك وهي التمكّن من النجاة أو إلقاء القبض على أبو الخير، وبعد القبض عليه انتهى إلى الحلقة الرابعة وهي الرجوع والاعتراف بالجريمتين كرهًا، أو الرجوع وعدم الاعتراف، وغلب الرجوع مع الاحتراف. أما الحلقة الخامسة والأخيرة فتركها من دون حسم: الاعتراف والسجن أو الاعتراف والشنق، وبذلك ظلت الأقصوصة مفتوحة غير مغلقة المنفذ النهائي، وهذه السلسلة يمكن إيجازها في الترسيمة التالية:

تسلسل الأحداث: الأسباب والنتائج/ التراوح
1 - اغتصاب زنوبة وقتلها: محاولة المساعدة
فشل المساعدة
2 – الـفـشـل: اللجوء إلى القانون
الفرار
3 – الــفــرار: النجاة
القبض على ابو الخير
4 – القـبض عـلـيـه: الرجوع والاعتراف
الرجوع وعدم الاعترام
5 – الرجوع والاعتراف: السجن
الشنق

وترجيح السجن على الشنق أو العكس يقتضي دراسة الأحداث والشخصيات وخصوصًا شخصية الجبار.

5 – ترسيمة العامل
ونصل إلى ترسيمة العامل، وهذه الترسيمة ليست وقفًا على شخصية بمفردها بمعنى أنه لا يتوجب على الباحث وضع ترسيمة لكل شخصية على حدة، إن ترسيمة العامل منوطة بالعمل المحوري الذي تتحلق حوله جميع الشخصيات، والترسيمة لا تنظر إلى كل شخصية مستقلة عن الشخصيات الأخرى بل تنظر إليها على أنها شبكة متضامنة مترابطة بعضها ببعض، فكأنها الخيوط المتعددة في النسيج الواحد. يضاف إلى ذلك أن العمل الواحد يقتضي ترسيمة واحدة، أما إذا تطور هذا العمل الواحد ونجم عنه عمل ثان اقتضى ذلك وضع ترسيمة ثانية توضح العمل الثاني الذي هو امتداد للعمل الأول. إن الشخصيات مرتبطة بالعمل وهي مترابطة بعضها ببعض. والعمل عرضة للتطور.
وانطلاقًا من هذه المبادئ نجد أن محور العمل الأول هو الاعتداء على زنوبة ومحاولة رد العدوان عنها، هذا هو العمل. فالعامل الأول، الفاعل الأول هو أبو الخير أما غايته فتخليص زنوبة، وحافزه على ذلك شهامته ودينه وأخلاقه، والمستفيد من التخليص هو زنوبة المتمثل في منع اغتصابها فقتلها، والمؤيد لهذا الهدف محور العمل الأول، للموضوع الأساس المهدوف إليه هو أبو الخير، والمعارض لهذا الهدف هو المعتدي هو الجبار، ويمكننا أن نمثل محور العمل الأول في الترسيمة التالية:
الحافز على العمل
شهامة أبو الخير
المستفيد من التخليص: زنوبة
الموضوع
تخليص زنوبة
العامل
أبو الخير
المعارض لهذا العمل: أي للتخليص الجبار
الحافز على العمل:
شهامة أبو الخير
المؤيد لهذا العمل:
أبو الخير
المؤيد لهذا العمل= أبو الخير







ولكن أبو الخير يعجز عن تحقيق هدفه الأول، العمل المرجو، الفرض المؤمل في هذه المرحلة من الأقصوصة، فتليها مرحلة ثانية من العمل، يصبح فيها غرض أبو الخير تخليص نفسه من سطوة الجبار، وهذا العمل الثاني امتداد للعمل الأول، فبعد فشله في رد العدوان عن زنوبة أصبح هو نفسه عرضة للعدوان فصار هدفه خلاصه وحافزه على ذلك المحافظة على حياته، ويؤيده في مسعاه صديقه حارس حقل البطيخ، ويعارضه في إدراك هدفه الجبار ورجاله، ويمكننا أن نمثل محور العمل الثاني في الترسيمة التالية:
الحافز
محافظة أبو الخير على حياته
المستفيد
أبو الخير
الموضوع أو الهدف
النجاة والخلاص
العامل
أبو الخير
المعارض
الجبار ورجاله
الحافز على العمل:
شهامة أبو الخير
المعارض
الجبار ورجاله
المؤيد:
أبو الخير وصديقه






6 – الهوية والممثل
ودراسة العامل يجب ان تشفع بدراسة الممثل، فمفهوم العامل نمطي تجريدي عام، ومثال ذلك أن العامل الفاعل في أقصوصة الجبار هو فلاح فقير، وقد يكون العامل الفاعل في أقصوصة أخرى طبيبًا أو محاميًا أو جنديًّا رجلا أو امرأة، فترسيمة العامل بنيانية شمولية هي تبرز تركيب الأقصوصة أو النظام العام الذي يضبط عملها وعمّالها وعلاقاتهم بعضهم ببعض وبالعمل. أما الممثل فهو التحقيق الفردي النسبي مقابل العامل الذي هو النموذج العام المطلق. وإذا نظرنا في شخصية أبو الخير كممثل وقعنا فيها على عدّة صفات، وأوّلها الإيمان أنه رجل مؤمن، فعندما حاول ثني الجبار عن الاعتداء على زنوبة خاطبه قائلًا "اتق الله"، ومعنى ذلك خف ربك وتجنّب عقابه لك على فعلتك فإنه يستجير بالله على الجبار، وعندما سأله صديقه حارس حقل البطيخ "لِمَ نمت في المخزن؟" أجابه "أمر ربنا." فحتى نومه وقع بإرادة إلهية، وعندما حاصره رجال الجبار ليلقوا القبض عليه "... هتف من الأعماق: - أنا في عرض النبي!ِ" أي أنه في حماية الرسول وحين لطمه الـ... أحدهم لطمة أردته وصاح به: تهرب يا ابن التيس!... هتف مرّة أخرى: - أنا في عرض النبي! وفي الحالتين يبدو ملاذه دينيًّا. وموقفه العام من الشر في الدنيا وكيفية التطهر منه ديني العمق والبُعد، قال معلقًا على تصرف الجبار إزاء زنوبة متمنيًّا "... لو يستجيب الله مرّة أخرى إلى دعاء نوح..." ودعاء نوح يتمثّل بالطوفان المطهِّر.
وإلى الجانب الديني يظهر أبو الخير زوجًا محبًّا وأبًا رؤوفًا، فقد آلمه الخزي الذي حقّ "... على امرأته وابنته..." والحزن الذي أخرسهما، كما أنه في أثناء فراره للحفاظ على حياته كان يلهج دائمًا بقوله: "... من لامرأته وابنته؟ من لهما في جو ينضح بالمقت والرغبة في الانتقام؟... ولكن من للمرأة والبنت؟ ... يمكن أن يبلغ بعد العذاب مصر ولكن من يحمي المرأة والبنت؟ وكيف تطيب الحياة لمن يعيش مطاردًا إلى الأبد محروق القلب على امرأته وابنته؟" ومن الأسباب التي حملته على الرجوع إلى القرية والاعتراف كرهًا بأنه اغتصب زنوبة وقتلها قول أحد رجال الجبار له: "- ويعيش أهلك في أمان".
ويُضاف إلى ذلك صفتان هما انعدام الخبرة والفقر، فأبو الخير رجل لم يكن يعرف من الدنيا سوى حدود سوق قريته: "لم يكن جاوز طيلة حياته السوق بحال ولا يعرف عن الدنيا شيئًا"، كما أنه كان معدمًا: "ليس معي مليم".
وعلى طرف نقيض من فئة المظلومين فئة الظالمين، وفي طليعتهم الجبار، وقد رأينا بعض صفاته استنادًا إلى اسمه ولقبه وما نسبه الكاتب إليه، إلا أننا نستطيع أن نتبيّن الكثير من عيوبه بإبراز تصرفاته، فهو أولًا رجل غرائزي، يحمله هيجان الغريزة على الاغتصاب، فلا يشعر بألم زنوبة المغتصبة وتوسلاتها: "واستمرت الضراعة الباكية تلطمها الزجرة المحمومة..."، وعندما حاولت زنوبة مقاومته تحول الاغتصاب إلى قتل دوسًا بالقدم، وصارت زنوبة التي حاولت رد الإجرام عنها مجرمة: "- يا مجرمة... وسمع وقع لطمة شديدة تبعت بأنين مستسلم يائس وسقوط جسم... وقال الجبار بحنق ملتهب: - يا مجرمة خذي... وانهالت مطرقة القدم الغليظة على المتأوهة... أما الغضب فاشتعل جنونه إلى ما لا نهاية، خذي... خذي... خذي...".
وبالإضافة إلى الغريزة الهوجاء والعدوان المستمر ثمة جانب أخلاقي يدل على وهن في الضمير وعوج في السلوك، واستهانة بالقيم الإنسانية وموازين العدل، فالجبار، وهو المغتصب القاتل، يتهم رجلًا بريئًا بفعلتيه، ويرغمه على الاعتراف بجريمتيه ومواجهة الشنق أو دخول السجن لتسلم زوجته وابنته من الثأر، والأرجح أن هذا الوعد غير صادق بل ستتبعه جريمة ثالثة وهي إعدام أبو الخير. كما سنراه.
ورجال الجبار صورة عن سيدهم، فهم فئة من القتلة: "يقتلونك ولو في المحكمة..."، ولا يعاملون الآخر إلا بالعنف: "فلطمه أحدهم لطمة أردته على الأرض..."، "فغرس الرجل قدمه في بطنه..."، "فركله بقسوة"، و"ركله ركلة أشد من الأولى"، كما أنهم ينزلون الإنسان منزلة الحيوان: "... وصاح به: - تهرب يا ابن التيس!...".

7 – التقاطبات المكانية
ونصل إلى دراسة المكان معولين في ذلك على تقنية التقاطبات وقوامها رصد الأمكنة التي تقع فيها الأحداث وتتردد إليها الشخصيات انطلاقًا من مبدإ التضاد.
ونعرض أولًا للأمكنة المغلقة التي يقع فيها حدثان مهمان، والمكان الأول هو مخزن الغلال، وهو موطن الاغفاء، والجريمة، ومشاهدة الجريمة، والتعرض للخطر.
والمكان الثاني المغلق هو كوخ صديق أبو الخير حارس حقل البطيخ، وهو مكان الأمان العابر والود الصافي، والمخبأ واتقاء العدوان.
ومقابل هذين المكانين المغلقين مكان منفتح مكشوف، هو أرض المزارع، أرض أشجار الصفصاف والنخيل، والزرع المنتشر تتخلله المماشي، وترعة ابتسم ماؤها..."، وهذه الأرض هي مساحة الفرار والسعي إلى الخلاص.
وتجدر الإشارة إلى أن نجيب محفوظ لا يجمد حركة الأقصوصة ليصف الأمكنة، فالأمكنة مقرونة بالحدث، بل هي حلقة من حلقات تطور الأقصوصة، فالمخزن مكان الجريمة والخطر، والكوخ مكان الاختباء والأمان، والمزارع مساحة الفرار والنجاة.
ويضاف إلى ذلك تقاطب آخر بين الأرض والسماء، فالأحداث كلها تقع في بيئة قروية، ولكن هذه البيئة تنضح بالعداء، وعلى علو منها سماء تكشف ما يقع على الأرض، فكأن الأرض والسماء يتآمران على البريء الهارب من ظلمة القرية وضياء السماء: "... والتفت لخاطر برق في رأسه المكدود نحو الأفق إلى يساره فرأى القمر صاعدًا فوق الأرض بأذرع متجليًّا بأكبر ما يرى وأسهم الضياء تنطلق منه وانية. ضايقه على غير عادة القمر...".
ومعروف أن الظلمة والضياء تقترنان بالتقاطبات المكانية، فثمة في الأقصوصة تقاطب متضاد بين الأرض - أو القرية المظلمة – مدعاة التستر، والسماء المنيرة الحاملة على الافتضاح.
تقاطب آخر نجده بين القرية والمدينة، فأبو الخير هارب من القرية طار إلى المدينة، ومصر في الأقصوصة لا تعني مصر بل تعني مدينة القاهرة، فأبو الخير إذ يتساءل: "أين منه مصر الكبيرة ليذوب في زحمتها ويجد مخبأ ولقمة؟ كم يلزم في الوقت للقدم المتورِّمة لتقطع ما يقطعه القطار السريع في أربع ساعات؟"، إنما يسأل عن الشأن الذي عليه أن يبلغه في المدينة ليجد الخلاص من شر القرية، ويتابع "يمكن أن يبلغ بعد العذاب مصر..."، ولكن أمله هذا لم يتحقق إذ يلقي رجال الجبار القبض عليه وهو في الطبيعة: "مال نحو شجرة جميز فلبد عند أصلها كأنه نتوء في سمائها... فتح عينيه فرأى الأقدام الغليظة تضرب من حوله حلقة محكمة". لقد حاول الفرار من أسر المكان القروي الزراعي ليفك قيده في المكان المديني المحرِّر ولكنه فشل.
ميخائيل نعيمه في أميركا

ألقيت في جامعة AUST في بيروت
14 – 05- 2009
حياة الإنسان استمرار لا انقطاع فيه، فماضيه كامن في نفسه، وحاضره إيذان بغده، وغده تحقيق لما يراوده من أشواق وآمال. عمر الإنسان يومان، يوم يكون به، ويوم يصير إليه، وبينهما دوام وصيرورة في وحدة ذات. وما المراحل التي يحددها بين زمن وزمن سوى محطات في رحلة واحدة.
في عام 1911 عندما قرّر ميخائيل نعيمه الذهاب إلى أميركا، حمل معه بسكنتا والناصرة وپولتاڤا، بل كانت نفسه ملأى بلبنان وفلسطين وروسيا، لم ينطلق من فراغ، لم يطو كتابًا ليفتح آخر، بل أضاف صفحات جددًا إلى كتاب حياته.
وحقيقة الأمر هي أن ميخائيل نعيمه لم ينو السفر إلى أميركا في البدء، بل كان قد عقد العزم على الذهاب إلى فرنسا ليلتحق بجامعة السوربون في باريس بغية دراسة القانون، فأكب على دراسة اللغة الفرنسية التي كان قد ألمّ ببعض مبادئها في أثناء دراسته الابتدائية، وأخذ يُعد العدّة لمواجهة نفقات السفر، وشؤون الإقامة في باريس والالتحاق بجامعتها الكبرى. إلاّ أن وجود أخويه أديب وهكيل مهاجرَيْن مقيمَيْن في أميركا جعله يعدل عن الذهاب إلى فرنسا فيولي وجهه شطر الولايات المتحدة الأميركية. إذًا، لم يكن سفر ميخائيل نعيمة إلى أميركا قصدًا أول، كما أن الهجرة بغية الارتزاق والكسب المادي لم تكن حافزه، كان غرضه الوحيد من سفره طلب العلم.
وأولى الصعوبات التي واجهها نعيمه في القارة الجديدة مردّها إلى جهله المطبق للغة الإنكليزية. كان يتقن العربية والروسية وملمًّا بالفرنسية، إلا أنه لم يكن يعرف من الإنكليزية شيئًا ولو يسيرًا، فعكف طوال ثمانية أشهر على دراسة الإنكليزية ولم يربأ بنفسه عن الالتحاق بمدرسة ابتدائية يصغي إلى صغار التلاميذ الأميركيين كيف ينطقون، ويخضع للامتحانات التي لها يخضعون، علمًا بأنه كان يحمل من روسيا شهادة تفوق شهادة الفلسفة بقليل، أما رأيه فكان التالي: كنت بالعربية إنسانًا، وبالروسية إنسانًا، وبالفرنسية بعض إنسان، وها أنا بالإنكليزية إنسان رابع.
وبداية نعيمه بدراسة الإنكليزية، فيها الكثير من الأمور المضحكة والمؤلمة، ولكنها في الحالتين تنبئ بقدرة على مواجهة الصعاب وإرادة على تخطيها وتصميم على بلوغ الهدف. شخصية نعيمه الطالب توضح أنه كان منذ ذلك الحين يدرك أن الحياة موقف وهدف وطريق إلى الهدف.
والتحق ميخائيل نعيمه بجامعة واشنطن في مدينة سياتل، واختار أن يُعد إجازتين معًا، واحدة في القانون وثانية في الأدب، وكانت دراسته كلها بالانكليزية، ولم يكتفِ بمقررات الجامعة بل راح ينهل بنهم روائع الأدب الإنكليزي مثلما اكتنز من قبل روائع الأدب الروسي حين كان طالبًا في روسيا.
ويمكن القول إن نعيمه، قبل ذهابه إلى أميركا أواخر العام 1911 كان قد تزوّد بزاد روحي وفكري وأدبي واجتماعي جعله متوحدًا فكرًا وروحًا، ناقمًا على المدنية المادية والآلية في المجتمعات الغربية الحديثة، طارحًا من الأسئلة ما لا يطرحه إلا كل ذي حسّ رهيف، وفكر يقظ وروح تواق إلى التسامي، وضمير يطلب العدل. كان يسأل: "عن الحياة ومعناها، والموت وما بعده، وعن الكون العجيب... والغاية من وجوده... ومن أين الفكر؟ ولماذا؟...".
كان يسأل عن تفاوت الناس "... من حيث مقدرتهم على التفكير... ]فـ[ أولئك أفكارهم في بطونهم وظهورهم وجيوبهم، وهؤلاء جيوبهم وظهورهم في أفكارهم"[1].
ولماذا تفاوتهم من حيث يقظة الضمير، وشعورهم بالحلال والحرام، وطول أعمارهم وقصرها؟ وما القدرة التي تفصِّل الأعمار؟
كان يسأل: ما نظام الكون؟ ومن أين الكائنات؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وما حقيقة الله؟ ولماذا تصدر الكائنات عنه لتعود إليه؟ وما الحكمة من ذلك؟ وهذه الأسئلة لقيت الإجابات عنها يوم كان طالبًا في بدء سنته الثالثة في جامعة واشنطن في مدينة سياتل.
حدث ذلك بفضل صديق اسكتلندي ينتمي إلى الجمعية التيوسوفية، وهي جمعية تؤمن بالتقمّص، أي بوحدة الحياة وتعدّد الأعمار، وتأخذ بالثواب والعقاب، أي بأن الإنسان يحصد مثلما يزرع، وإن التفاوت بين الناس مرده إلى أعمارهم السابقة، فهم لا يولدون صفحات بيضًا لم يخط عليها شيء، كما أن ما يلقونه في حياتهم من صحة ومرض، وألم وسعادة هو رَجْع لما أطلقوه في الحياة من صوت، وأعمارهم تتعدّد وتتوالى فسحات من أجل تكامل المعرفة وتبيّن إرادة النظام الذي لا يفلت من ضبطه أي فكرة، أي عمل، وأي قول، وذلك بغية إدراك الكمال المؤدي إلى التحرّر والخلاص.
وعلى ضوء هذه المبادى أخذ ميخائيل نعيمه يفسّر أحداث حياته، ويستبطن ظواهر الكون والكائنات من حوله، وخير ما يشرح حاله في تلك المرحلة قوله مستنتجًا: "خلاصة القول... إن عقيدة تكرر الاختبار بتكرار الاعمار بغية المعرفة الكاملة والحرية المثلى باتت الركيزة الكبرى التي تقوم عليها فلسفة حياتي... فالحياة أكثر من مهزلة تبتدئ في المهد وتنتهي في اللحد لتعود فتتجدد إما في غبطة أبدية، أو في عذاب أبدي، أو لتمّحي بالموت وكأنها لم تكن، والإنسان أكثر من ألعوبة في يد القدر حتى وفي يد الله..."[2].
وعكف نعيمه على دراسة التعاليم "الباطنية" منذ أقدم العصور، والديانات السماوية وغير السماوية، والكتابة فيها، وهذا الرافد الفكري الجديد الذي اكتشفه نعيمه في أميركا هندي الأصول، وقد أضيف إلى الرافد الروسي الذي سبق أن تعلّمه نعيمه من كتابات تولستوي، وهو قائم على كراهية الحرب وويلاتها، والنزوع إلى السلم والمحبة، وعدم مقاومة الشر بالشر، والزهد في أمجاد الدنيا والاقتداء بالمسيح، وتحرير الإنسان من العبودية، وتطبيق المبادئ الخلقية في الحياة تطبيقًا عمليًّا.
وإلى جانب تعلّم الإنكليزية، والتحصيل الجامعي، والتثقف بروائع الأدب الإنكليزي، وتكوين العقيدة القائمة على تعاليم تولستوي والفكر الهندي التقمّصي، ثمة الكفاح المادي من أجل إعالة الذات، وتخفيف الأعباء عن شقيقيه المغتربَيْن ومساعدة الأهل في لبنان، ولذا التحق نعيمة موظفًا بالقنصلية الروسية في سياتل بصفة سكرتير معاون مسؤول عن المراسلات باللغة الإنكليزية، وهذا ما أتاح له أن يعمل في جو روسي صرف ويؤمّن لنفسه ولعائلته في لبنان دخلا ماليًّا ينهض بمستواه ومستواها المعيشي[3].
وبعد تخرّجه من الجامعة عام 1916 توظّف ميخائيل في شركة كانت تصنع القنابل للمدفعية الروسية، وعلى الرغم من نفوره من هكذا شركة أمّن لنفسه دخلًا وقاه الحاجة والبحث عن عمل أو عرض نفسه على الناس كما اضطر إلى أن يفعل لاحقًا.
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى جُند ميخائيل نعيمه في الجيش الأميركي، وذهب إلى أوروپا ليحارب على الجبهة الفرنسية الألمانية، وكان على كراهيته الحرب يُخفف من وطأتها عليه بأنه يشارك فيها ليحارب تركيا عدوة وطنه الأول لبنان، ووطنه الثاني روسيا.
وبالعودة إلى مذكراته في أثناء خدمته في الجندية نتبيّن أن نزعة نعيمه إلى اليسار المتطرّف كانت قد تأصلت في نفسه مع أنه جهد كل الجهد ليكتمها عن رفاقه الجنود، فلا يدري بها أحد. وبذلك لم تبدل إقامة ميخائيل نعيمه في أميركا من موقفه الطبقي. فقد كان يميل إلى اليسار يوم كان في روسيا، وظل كذلك بعد إقامته في أميركا ثمانية أعوام وانضوائه في جيشها.
وكان نعيمه يكره الحرب قبل خوض غمارها، وازداد كرهًا لها بعدما خبرها، فهي تقتل الروح قبل قتلها الجسد، وتلهي الإنسان عن عدو في داخله بمحاربة من ليس عدوًّا في الخارج، وتبث الأحقاد بين الشعوب، وتدمّر في لحظة ما أنفق الإنسان اعمارًا في تعميره، ويكفي أن نذكر ما جاء في قصيدته "أخي" لندرك عمق تعلّقه بالمسالمة وشدّة نفوره من الحرب، قال:
"أخي، ان ضجّ بد الحرب غربي بأعمالهْ
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا
بل اركع صامتًا مثلي بقلب خاشع دام
لنبكي حظ موتانا"[4].
بعد إعلان الهدنة التحق نعيمه بجامعة "رين" الفرنسية، وفي آذار من العام 1919 قفل راجعًا إلى أميركا.
وشهد العام 1920 أهم حدث في تاريخ الأدب المهجري بل في تاريخ الأدب العربي المعاصر، وهو تأسيس الرابطة القلمية في مدينة نيويورك، وكان لنعيمه كأمين سرّها دور إداري في تنظيم شؤونها وبسط علاقاتها، وقد أبدى حنكة في الإدارة حتى قال فيه عبد المسيح حداد، أحد أعضاء الرابطة المؤسسين: "لو لم يكن أديبًا لكان قائدًا عسكريًّا". أما دوره كناقد فقد سبق تأسيس الرابطة القلمية إذ بدأ منذ العام 1913 حين نشر مقالته النقدية "فجر الأمل بعد ليل اليأس" متناولًا فيها بالنقد رواية جبران "الأجنحة المتكسرة".
وبالنظر في نتاج نعيمه الأدبي في أميركا، نراه ينتسب إلى الأدب الواقعي النقدي في المسرح (الآباء والبنون) وفي الأقصوصة (كان ما كان) وفي المقالة بنوعيها: الموضوعي (الغربال) والذاتي (المراحل). وفي الرواية ينتمي أدبه إلى الخارق (مذكرات الأرقش)، أما شعره العربي والانكليزي فيتسم بالغنائية التأملية، والطابع العام الذي ماز أدبه في المرحلة الأميركية هو: جمالية الشكل، وصدق الشعور، وعمق التفكير حتى في شعره الغزلي. ودوره الأدبي في الرابطة تركز على نقل الشاعرين إيليا أبو ماضي ورشيد أيوب من التقليد إلى التجديد، أما نسيب عريضه وجبران فكانا من المجددين بطبعهما وثقافتهما وإبداعهما.
وأقف عند شعر نعيمه في المرأة، علمًا بأنه أحب في أميركا سيدتين على التوالي أطلق عليهما اسمين مستعارين هما "بيلا" و"نيونيا"، وشعره في "بيلا" يختلف عن الشعر الغزلي الشائع في جمال المرأة وأنوثتها، فالمرأة والرجل هما جناحا البشرية، وأحدهما نصف الآخر، ولوجودهما دلالة كونية بل إلهية:
"أنا السر الذي استترا
بروحك منذ أن خطرا
ببال الكائن الأعلى
خيال العالم الأدنى
فكون من ثرى بشرا"
أو قوله:
"معًا كنا من الأزل
معًا نبقى إلى الأبد!"
وأخلص إلى قوله:
"أسفي عليك فلا الذهابْ
سهل عليك ولا الايابْ
ستظل تخبط في ضبابْ
حتى ينير لك الطريقْ
قلب يكون لقلبك الواهي رفيق"[5].
وعانى نعيمه في أميركا من ضيق ذات اليد وعدم الاستقرار المادي، وقام بأعمال لم تنسجم مع ميوله الإبداعية، وعبّر عن ذلك بطريقة فيها من الألم ما يكاد يبلغ حدّ الفاجعة، قال: "يا- هو! يا ناس! يا بشر! يا أهل الله! ههنا إنسان يريد أن يعيش بشرف – أن يأكل خبزه بعرق جبينه... وهو لا يسكر، ولا يقامر، ولا يسرق، ولا يقتل، ولا ينافق... ولكنكم حرّمتم العيش عليه إلا إذا كان في جيبه فلوس؛ ولكنكم خلقتم الفلس وجعلتموه معيارًا لصفات الناس ومؤهلاتهم... ولأن هذا الإنسان لا يملك الفلوس وتملكونها أنتم فهو يعرض نفسه عليكم..."[6] ، وأطلق على نفسه لقب "كثير الكارات"، فعمل في متجر لبيع قمصان نوم للسيدات وفساتين للصغار، كما عمل في بيع الأطيان، والترويج لدائرة المعارف البريطانية لقاء عمولة، ومديرًا لفرع المطرزات الفيلبينية في أحد المتاجر، ثم قرّر عام 1932 أن يحمل حقائبه وحنينه ويعود إلى لبنان وفي جيبه خمس مئة دولار من ثروة أميركا بعد بقائه فيها عشرين عامًا.
أما موقفه العام من المجتمع الأميركي فقد أجمله في احدى مقابلاته الصحافية إذ سألتُهُ:
"... ما أول شيء لفتك في البلاد الأميركية؟"
- ]فقال[ إنه المدى الواسع الذي يكاد يكون بغير نهاية. مدى للعين والفكر والخيال والصور. سهول وجبال وصحارى. مدن ومزارع وقرى. وغابات وبحيرات وأنهار. إن أميركا وروسيا متشابهتان من حيث امتداد رقعة الأرض.
- ]وسألتُه[ والسكان؟
- ]فأجاب[ - عرفت خلال إقامتي الطويلة في أميركا كل أصناف الأميركيين من رجال أعمال، ورجال دين، ورجال حرب، ورجال أدب وفن، ورجال سياسة وعلم، ومن عمّال وفلاحين، ومن بيض وسود. إنهم، إجمالًا، إلى الخير أميل منهم إلى الشرّ.. إنهم، من حيث النشاط... لا يتقدّمهم أي شعب من شعوب الأرض... إن الأميركيين، على ما فيهم من عناصر إنسانية طيبة، قوم عمليون قلما تشغلهم النظريات المجرّدة عن الكسب والمتعة المادية"[7].وأختم: إن ميخائيل نعيمه، إلى جنسيته اللبنانية كان يحمل الجنسية الأميركية، وظلت الدولة الأميركية ترسل إليه التعويضات عن خدمته في الجيش الأميركي وعمله فيها طوال عشرين عامًا حتى اللحظة الأخيرة من عمره، كما أن جامعة واشنطن منحته الدكتوراه الفخرية تقديرًا منها لنتاجه الأدبي ولكونه أحد طلابها الميامين.
[1] متري بولس، ميخائيل نعيمه وروسيا، بيروت، منشورات AGATE، 2007، الصفحة 64.
متري بولس، ميخائيل نعيمه وروسيا، الصفحة 65. [2]
[3] متري بولس، ميخائيل نعيمه وروسيا ، الصفحة 56.
[4] ميخائيل نعيمه، همس الجفون، بيروت، مؤسسة نوفل، 1974، الصفحة 14.
[5] ميخائيل نعيمه، همس الجفون، الصفحات: 102، 107، 95.
[6] ميخائيل نعيمه، سبعون، المجموعة الكاملة، المجلد الأول، بيروت، دار العلم للملايين، 1970، الصفحة 421.
1 متري بولس، ميخائيل نعيمه وروسيا، الصفحتان 183-184.

التوجيهات المسرحية والبراغماتية في مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم



ألقيت في جامعة الروح القدس – الكسليك
11-11-2008
ما أهمله فردينان دوسوسور اعتمدته البراغماتية، أهمل دو سوسور الكلام وحالات الاتصال بين المتكلم والمخاطب، وهذا ما اعتمدته البراغماتية. اهتمّ دوسوسور بالقوانين العامة التي يقوم عليها الكلام أكثر من اهتمامه بالكلام الخاص كما يجري في الواقع. دوسوسور تجريدي والبراغماتي تجريبي.
واهتمت البراغماتية بعلاقة القول بالفعل، أو بالأقوال – الأفعال، فبعض القول فعل، ومثاله: إذا قال الأعزب "نعم" إجابة عن سؤال الكاهن: هل تقبل فلانة زوجة لك؟ فإنّ "نعمه" ارتباط، وإعلان الكاهن أنّه قد صار زوجًا يبدّل وضعه العائلي واﻻجتماعي والقانوني والديني، فالزواج كنسيًّا من الأسرار المقدّسة، فـ"نعم" الأعزب أو العزباء فعل قبول، وإعلان الكاهن قانون كنسي وفعل وإيمان.
واعتبرت البرغماتية أنّ للكلام معنىً صريحًا ومعنىً مضمرًا، وأكّبت على الإضمار تؤوّل المعنى الظاهري استنادًا إليه، فركّزت على المعنى المستتر الكامن، فالكلام له ظاهر وباطن، والباطن هو محور اﻻهتمام، ويحتاج إلى تأويل لتظهير معناه العميق.
ونقطة ثالثة لحظتها البراغماتية وهي أنّ الضمائر مُفرغة وﺃنّ المتكلمين يملأونها، فالضمائر لا هوية محددة لها، والقائلون وأفعال القول والمقولات وحالات اﻻتصال يمنحونها الهوية، ومثال ذلك الضمير "أنا" فقد يكون رجلًا أو امرأة، طفلًا أو كهلًا، أو اللغة العربية عندما تكلمت "فقالت": "أنا البحر..." كما في قصيدة لحافظ إبراهيم[1].
والضمير "هي" قد يكون صبيّة أو شجرة، زوجة حبيبة أو معلّمة نجّـنا منها يا ربّ، والضمير "هو" قد يكون حسب السياق وحالات اﻻتصال، حبيبًا خفيف الظلّ أو أستاذًا محاضرًا ثقيل الدم.
وأستندُ، في النظر إلى مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم، إلى هذه التقنيات الثلاث، عنيت الأقوال – الأفعال، والمعنى الصريح والمضمر، والضمائر المفرغة والملآنة.
إنّ التعليمات المسرحية التي يوجهها الحكيم إلى الممثل والمخرج ليست مجرّد أقوال بل هي وفق العــُرف البراغماتي أفعال، إنها تدخّلات مباشرة تحمل الممثل والمخرج على سلوك معيّن وتقنية بعينها، إنها ما يعبّر عنها بالفرنسية بالمصطلح Didascalie المستمدّ من Didaskalia اليونانية.
وثبت الشخصيّات وأسماؤها، وتعيين المكان وحركات الممثلين، وتنغيم أصواتهم وتعبيراتها، تُحدّد ظروف القول وحالاته، ونيّة المؤلف وقصده، وعملية الإخراج المسرحي، وتشارك في إيضاح الخبرية أو القصة في المسرحية.
وأقف عند أبرز التوجيهات التي يخصّ بها الحكيم شخصية شهرزاد، فبالنسبة إلى الصوت يجب أن يكون صوتها ساحرًا هامسًا، وأنوثتها يجب أن تقوم على الإغراء والدلال والكشف عن محاسن الجسم، والحنوّ والحرارة واللمسات المداعبة والقبلة. وعلى طرف نقيض من هذه التوجيهات تعليمات تحثّ على السخرية والمكر والخبث مشفوعة بالغموض والغرابة والتفكير والتأمل.
أمّا العبد فكثير التلفّت والإجفال واﻻختباء والخوف والنظر إلى الأجساد والبصبصة.
والوزير قمر مرتبك مضطرب حيي متألم غاضب حادّ متجهّم ثائر باكٍ.
أمّا شهريار فمتعب غاضب قلق ضيّق الصدر قانط متأوّه مشغول بالتطلّع إلى الفضاء والمكان وعلاقة جسم الإنسان بهما، واﻻنتقال والترحال وفكّ الألغاز وهتك الحجب عن الأسرار.
وهذه التوجيهات يوردها الحكيم ليست مجّانية أو اعتباطية، إنّها تحدّد بدقة وعمق سمات الشخصيات وطبائعها وتصرفاتها وأقوالها.
والتوجيهات إلى المخرج تأتي على عكس ما يتوقعه المشاهد أو القارئ، فمسرحية "شهرزاد" المتعلّقة بألف ليلة وليلة والليالي الملاح والكلام المباح حتّى الصباح، لا نجد فيها شيئًا من هذا القبيل، فثمّة طريق مقفر، ومنزل منفرد، وليل بهيم ومصباح مضيء، وموسيقى خافتة بعيدة، ومساكن عاديّة، والقصر مجرّد قاعة خاصة بالملكة في وسطها حوض مرمر، وغرفة شهرزاد مقعد وستار أسود، وبهو الملك غارق في ليل داجٍ، ثمّ بيداء وفضاء وشمس غاربة ورمال وخمّارة، فلا أبّهة ولا رياش ولا فخامة في مسرحية "شهرزاد" بل ديكور هو أقرب إلى التقشّف، وتناوب النور والظلام والموسيقى والصمت.
بعد التوجيهات انتقل إلى المعلومات الظاهرة والخفيّة.
كلّ معلومة تتضمّن برغماتيًّا معنيين ظاهرًا ومستترًا، وكلّ شخصية من شخصيات مسرحية "شهرزاد" معلومة لها ظاهر وباطن، وأبدأ من أدنى معلومة إلى أعلاها. أول معلومة هي شخصية العبد، إنّه يمثّل ظاهرًا عشيق شهرزاد المحتمل، ذلك هو ظاهره، أمّا باطنه فيمثّل الغريزة في المطلق، فالغريزة سوداء مستترة تختفي وراء ستار أسود لتعمل عملها في السرّ.
وبعد العبد ثمّة شخصية قمر، في الظاهر قمر هو وزير الملك شهريار، وفي الباطن هو العاشق المثالي، هو العاطفة. قمر يمثّل التسامي بالمحبوب إلى الكمال.
وبعد الجسد-العبد والوزير-القلب، يرتفع شهريار، ﺇنــّه الملك ظاهرًا والعقل باطنًا، إنـّـه الطامح الى المعرفة والإنسان الذي تخطّى الجسد بعد استغراق في الغرائز، وتعدّى القلب بعد سعير الغيرة، وبعدما عرف من العذارى أجسادهن وقطع بدافع الخيانة والحقد أعناقهن. ﺇنّه لا يريد أن يشتهي، لا يريد أن يشعر يريد فقط أن يعرف.
وفي قمّة الهرم تعلو شهرزاد. إنّها الملكة، إنّها زوجة شهريار ظاهرًا، إلا أنّها في الباطن سرّ الأسرار، هي الملكة ظاهرًا والمجهول واللغز باطنًا.
ونلحظ أنّ الحكيم اختار ثلاث شخصيات ترمز إلى الغريزة والعاطفة والعقل، وقد اختارها لثلاثة أسباب: الأول ليؤكّد أنّ كلّ إنسان يرى في الواقع ما يُمثّله هو لا ما يمثّل الواقع في ذاته، فالعبد-الغريزة يرى في شهرزاد والمرأة عمومًا جسدًا جميلًا، قال مخاطبًا شهرزاد: "ما أجملك! ما أنت إلا جسد جميل!"[2]. وقمر العاطفة يرى في شهرزاد الكمال والمثال والمشاعر السامية النبيلة، فخاطب شهرزاد قائلًا: "ما أنتِ إلا قلب كبير!"[3]. والملك شهريار-العقل يرى في شهرزاد العقل والحكمة: "ما أنتِ إلا عقل عظيم...!"[4]. وكعارف أو طامح إلى المعرفة يبحث عن سرّها، سرّ الطبيعة والحياة والمجهول الكامن خلف الحجب.
والسبب الثاني ﻻختيار الحكيم الشخصيات الثلاث مردّه إلى اعتقاده أنّ الميل الواحد إذا طغى على الكلّ أدّى إلى الضياع، فالغريزة المستأثرة بالعبد جعلته دائمًا معرّضًا للخطر بل للقتل، وإن هي سيطرت على الإنسان قضت على العاطفة والعقل. والعاطفة إذا تفرّدت بالإنسان جعلته يرى الواقع على غير حقيقته وأجمل مما هو وأكمل، وعرّضته للقلق الدائم بل للانتحار، فمثاليّة قمر عذبته، وعندما سقط ما توهمه كمالًا عمد إلى اﻻنتحار، فالشعور وحده قتّال. والعقل إن تحكّم في الإنسان جفّت نزعات جسده وتحجّر، وأصاب القحط مشاعره، وطرأ على صاحبه الخبال بل الجنون، وتلك هي حال شهريار.
والسبب الثالث ناجم عن السبب الثاني بل هو نتيجة منطقية بل حتمية له. فإذا كان طغيان ميل من الميول يؤدّي إلى الخلل فإنّ التوازن بين الميول يؤدّي إلى اﻻتزان، فجوهر الإنسان قائم على التعادل بين الغريزة والعاطفة والعقل، فالحكيم يقول: أعطِ جسدك قسطَه، وقلبك نصيبه، وعقلك حظّه، وفق تعادلية هي قانون الإنسان والحياة والكون.
وأقف أخيرًا عند الضمائر المتعلّقة بشهرزاد، وأوّلها الضمير "هي". قال العبد إنّه يودّ أن يعرف من هي شهرزاد، فأجابته إحدى العذارى: "هي كل شيء، ولا يُعلم عنها شيء..."[5].
وذكر شهريار شهرزاد مكنّيًا عنها بالضمير "هي"، فقال: "هي... تعلم بكلّ ما في الأرض كأنّها الأرض!... هي البكر تعرف الرجال كامرأة... وتدرك طبائع الإنسان... هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تحدّث عن تدبيرها وغيبها كأنّها ربيبة الملائكة، وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها وممالكهم السفلى كأنّها بنت الجن... أعمرها عشرون عامًا. أم ليس لها عمر؟... أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنّها الطبيعة؟!..."[6].
ونلحظ أنّ الضمير "هي" العائد إلى شهرزاد يتضمن دلالات تتعلــّق بالأرض والمرأة والإنسان بعامة والسماء والملائكة والممالك السفلى والجنّ والعمر والطبيعة.
والضمير " أنتِ " له دلالات العقل: "ما أنتِ إلا عقل عظيم...!"[7]، وفق ما ذكر شهريار. والعاطفة: "... ما أنتِ إلا قلب كبير!"[8]، كما ذكر قمر، والجسد، قال العبد مخاطبًا شهرزاد: "ما أجملك! ما أنتِ إلا جسد جميل!"[9].
وتنتهي مسرحية "شهرزاد" بهزيمة العقل – شهريار، فهو عاجز عن فهم السرّ- شهرزاد: "شهريار: هي أيضًا تفعل هذا، تُبدي لنا من حُسنِها، وتحجب عنّا سرّها.
شهرزاد: من هي؟
شهريار (كالمخاطب نفسه): الطبيعة"[10].
فهل هذا يعني الكفّ عن البحث والمعرفة؟
طبعًا، لا. فالإنسان في هذه المرحلة عاجز عن الفهم، ولكن ثمــّة مراحل تالية: "خيال! شهريار آخر الذي يعود يولد غضًّا نديًّا من جديد..."[11].
وثمّة درس آخر، فقد تكون الحياة غاية بحدّ ذاتها، بإنسانها وزمانها ومكانها وتوقها إلى المعرفة، فلا نجعلنّ الحياة وهي الغاية القصوى وسيلة إلى غايات قد لا تكون موجودة: "... أي سرّ تبحث عنه... إلا تراك تضيع عمرك الباقي وراء حب اطلاع خادع...؟!". "... وهل تحسب هذا هو السبيل إلى ما تطلب؟ بل ما إدراك ان ما تطلب موجود؟..."[12].




[1] - حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، بيروت، دار محمد أمين دمج، 1969، الصفحة 254.
[2] - توفيق الحكيم، شهرزاد، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1973، الصفحة 108.
[3] - المصدر نفسه، الصفحة 51.
[4] - المصدر نفسه، الصفحة 71.
[5] - توفيق الحكيم، شهرزاد، الصفحتان 26-27.
[6] - توفيق الحكيم، شهرزاد، الصفحتان 68-69.
[7] - المصدر نفسه، الصفحة 71.
[8] - المصدر نفسه، الصفحة 51.
[9] - المصدر نفسه، الصفحة 109.
[10] - توفيق الحكيم، شهرزاد، الصفحة 74.
[11] - المصدر نفسه، الصفحة 167.
[12] - المصدر نفسه، الصفحتان 63-64.

بين النهضة الأولى والنهضة الثانية

ألقيت في جامعة الروح القدس - الكسليك
27-3-2007

هوى الأدب العربي إلى أسفل دركاته مع بسط الأتراك سيطرتهم على البلاد العربية (وهذا ما تحقّق مع غزوات السلطان سليم الأول عام 1516)، ولم يكن غرض الأتراك الحفاظ على تراث العرب الحضاري، إنما كان همّهم تتريك العرب وانتزاع هويّتهم الأصيلة، فأزاحوا اللغة العربية، وأحلّوا التركية لغة رسميّة محلّها، كما أنّ التعليم لم يكن هاجسهم فقصدهم كان تعليم فئة محدودة من الأشخاص تعليمًا لا يتجاوز المرحلة الابتدائية بغية تأمين موظّفين ينفّذون موجبات إدارتهم، ما أدّى إلى انتشار الأميّة بين أبناء العربية حتى فاقت نسبتها التسعين بالمئة، وصار العلم محصورًا في بعض رجال الدين مسيحيين ومسلمين وقلّة من رجال الدنيا.
وانتشار الأميّة وتنحية العربية الفصحى أدّيا إلى شيوع العامية ونفاذها إلى الكتابة، فانحطّت الكتابة وصارت مزيجًا عجيبًا غريبًا من ركاكة الجمل ورصانة التعابير والإخلال بالقواعد إعرابًا وحركات، يُضاف إلى ذلك ضحالة الفكر بل قحطه وتحجّره، فلا قضايا جوهرية تطرح، ولا تطلُّع إلى قمة ولا غوص في أعماق.
ونتج من ذلك هوّة سحيقة بين العرب وتراثهم، بل انفصام عن التراث العربي العريق، وانقطاع عن ينابيع أدب ما قبل الإسلام وروافد الأدب الراشدي والأموي حتى أوجه على عهد بني العباس، فكأن العرب مقاطيع لا إرث لهم ولا أدب ولا تراث.
وحاول الأستاذ بطرس البستاني، معلّم الحكمة، رسم صورة لما آل إليه الوضع، على ما في ذلك من عسرٍ، فقال: "وطبيعي أن يسقط الشعر ويهوي من سمائه... فمن فصاحة آضت إلى العجمة والرطانة، ومن قرائح أرمغها الشحّ والجفاف، ومن أذهان أخلقها الخمول والجمود، ومن نفوس أضرعها الرعب والخنوع، ومن ملوك أزرت بالشعر والشعراء"
[1].
أما الشعراء فقد "... كان منهم طائفة كبيرة معظمها شويعرون ومتشاعرون... وكان التكلّف والتقليد أظهر خصائص هذا الشعر... وجعلوا المعاني خادمة للألفاظ... فاضطربت عباراتهم... وازدادت لغتهم ضعفًا وركاكة بازدياد انحطاطهم، حتى صار الشعر في غاية الإسفاف... وبات الشعراء يتلمّسون المحسنات البديعية ليستتروا بها.. فإذا هي بين أيديهم غثة باردة، كلّها معاظلة وحشو وتطويل، وإذا الشعر جثة ميت لا حياة فيه"
[2].
وكانت مصيبة النثر أفدح، فالسجع صار مبدًا تشبُّهًا، بالقوافي، وسترًا لعقم عن توليد المعاني، "وجاءت عباراتهم تتمطّى متثاقلة وتتثاءب... وأكثروا من الحشو والكلام الفارغ..." ، وكاد النثر يكون عاميًّا، ومصنفاتهم في معظمها جمعًا وتحشية وشرحًا
[3].
ودامت هذه الحال ثلاثة قرون ونيّف، إلى أن استفاق القوم على دوي مدافع نابليون في مصر (عام 1798)، ونواقيس الديار في شعاف لبنان
[4]، واختلف الباحثون في مَن كان الأسبق إلى النهوض ألبنان أم مصر؟ ومن دون انحياز، إنه لبنان، إذ بدأت فيه مقدّمات النهضة منذ القرن السادس عشر مع الأمير فخر الدين المعني الثاني وإيعاز روما بفتح المدارس في لبنان، وتوالي المرسَلين إليه، وقيام الجمعيات، وإصدار الصحف، وإنشاء المكتبات، بينما انتظرت مصر طلائع النهضة حتى أواخر القرن الثامن عشر.
وقامت النهضة الأدبية الصرف، شعرًا ونثرًا، على وصْل ما قطعه الأتراك بين العرب وتراثهم، وردْم الهوّة السحيقة بين واقع العرب آنذاك، وماضيهم قبل ذلك. ما أثار مشكلة التقليد والتجديد مقوِّمَين من مقوِّمات النهضة/ فهل تقليد القدامى نهضة؟ وهل سلبيات الانحطاط هي المقياس للحكم على ظاهرة بأنّها نهضوية، أو أن إيجابيات الظاهرة هي حدّ الحكم على أثر أدبي بأنه نهضوي؟ هل النهضة نهضة بالنسبة إلى الانحطاط، أم هي نهضة بالنسبة إلى ميزاتها وصفاتها وخصائصها الذاتية؟
وحار الباحثون في الإجابة عن مثل تلك التساؤلات، ومنهم بعض أساتذتي من ذوي الفضل عليّ، وكنت ألحظ الحيرة في أقوالهم في ما يتعلّق بناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق مثلًا. فناصيف اليازجي "... مِن أثبت أركان النهضة الحديثة في المحافظة على القديم..."، كما أنه "... إمام المحافظين المقتفين من أرباب النهضة..." (فؤاد البستاني، الروائع
[5]. إلى القول في مقاماته في مجمع البحرين: "هو أشهر كتب الشيخ ناصيف جرى فيه على أسلوب الحريري في مقاماته، وجمع فيه ما شاء له اطلاعه الواسع، وما أعانته به ذاكرته القوية... فهو من هذا النوع خير احتذاء للحريري... على أنه لا يمكن تسميته بالتأليف اللغوي... لأنّه أقرب إلى منتجات الذاكرة والتوسّع منه إلى آثار التأليف الفني"[6]. إلى القول في شعر ناصيف اليازجي: "... ونحن لو شئنا ذكر المطالع أو الأبيات التي يتنسّم فيها القارئ روح أبي الطيب لنقلنا ثلاثة أرباع شعر الشيخ. فإنّ تأثّره بالمتنبي بلغ منه مبلغًا تجاوز الأسلوب الشعري إلى المعاني وسبك الجمل، بل إلى القوافي والألفاظ أيضًا. حتى غدا اليازجي، في شعره، صورة مصغّرة للمتنبي..."[7]، إلى رأي الشاعر الفرنسي لامرتين في بعض أبيات ناصيف اليازجي: "... بعث إليّ بأبيات تشوبها الزخرفة والتكلّف، ويشينها التلاعب اللفظي، وتلك صفات اللغات والمدنيات الشائخة..."[8]. فما اعتبره باحثونا نهضة انتمى في رأي لامرتين إلى اللغات والمدنيات الهرمة.
ونقع في موقف بعض الباحثين من أحمد فارس الشدياق على ما وقعنا عليه بالنسبة إلى اليازجي، فالشدياق نهضوي، ولكنه "... سبّاب شتّام حين يهجو..."
[9]. "وآخر ما نقوله في شعره أنه كان جاهليًّا في إغرابه، عباسيًّا في مدحه ومجونه، شاميًّا في تصوّره وتفكيره... يدلّ نظمه على قلّة تنقيح، وهو لو نقح لنفض عن شعره هذه اللزقات الخردلية التي لا تخلو منها قصيدة، فكأنه عدوّ للموسيقى الشعرية..."[10]. "بكى الطلول كما بكوا"، وقال الغزل الكاذب مثلهم..."[11]. أما في نثره "... فرأيناه تارة يسجع، وطورًا يدع السجع هازئًا. ثم يعود إلى الرِجل الخشبية... فكتب أربع مقامات... فطمست روحَ المعلّم معالمُ التقليد..."[12].
وينهي مارون عبود قائلاً: "إنّ النهضة الحديثة، في عُرف بعض مَن يتحدّثون عن الأدب، هي أن يكون هناك ناس قالوا شعرًا جاهلي العبارة... لا، يا أخي... ولكن النهضة التي نعنيها إنّما تكون في الخلق والإبداع، في اتِّجاه جديد متّصل بالقديم ولكنه غيره"
[13].
إزاء هذا التردّد في تحديد مفهوم النهضة، بل هذا الضياع بين التقليد والتجديد، أطلقتُ على كتابي الصادر في العام 1985 عنوان "في أدب النهضة الثانية" استنادًا إلى مبدإ اعتمدته منذ منتصف الستينات، ومفاده أنّ النهضة الأولى قامت على ربط الأدب بالتراث العربي القديم، في حين لجأت النهضة الثانية إلى ربطه بالحياة المعاصرة وقضايا الإنسان بعامة"
[14].
ثم حدّدتُ في كتابٌ ثانٍ (التكوين الأدبي)
[15] مقوّمات النهضة الثانية القائمة على تحطيم تقليد بلاغة الأقدمين، و"... الخروج بآدابنا من دور التقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني[16]، وربط الأدب بالحياة وهموم العصر، ورفض التقليد لأنه يربط الأدب بحياة سابقة وعصر سلف، وإنّ ما يبثّه الأديب في أدبه هو تأثير الحياة في نفسه ووجدانه، وهو بذلك ينقل إلى الآخرين تجربته الخاصة به في مجتمعٍ من المجتمعات. إنّه ينقل شؤون العالم الخارجي من خلال عالمه الداخلي الباطني، وهو يميّز الأمور العابرة من القضايا الجوهرية، فهناك ظواهر لا يعيرها الأديب التفاتًا إذ لا قيمة لها، وربط الأدب بالحياة يعني أن يكون الجوهر الإلهي الحيّ المتجسِّد في الإنسان محورَ الأدب، كما يعني تفسير معنى الحياة وزيادة ثروة المتلقّي الروحية والعاطفية والجمالية بفرادته وإبداعه وطابعه الشخصي المميَّز. ولو أردنا تحديد بداية أدب النهضة الثانية لقلنا أنها بدأت مع أمين الريحاني إذ نقل عقيدة التطوّر من نطاق العِلم إلى ميدان الأدب، واستمرّت مع جبران ممثَّلَةً بنظرية النشوء والارتقاء، وانطلقت مع نعيْمه في التوق إلى الخلاص ونِشدان الكمال.
[1] بطرس البستاني، أدباء العرب، الجزء الثالث، دار نظير عبود، لبنان، لا ت، ص 213.
[2] بطرس البستاني، أدباء العرب، الجزء الثالث، الصفحتان 214-215.
[3] المرجع نفسه، الصفحتان 218-219.
[4] بطرس البستاني، أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث، ص 211.
[5] فؤاد افرام البستاني، الشيخ ناصيف اليازجي، الروائع 21، دار المشرق، بيروت، 1950، ص 3.
[6] فؤاد افرام البستاني، الشيخ ناصيف اليازجي، ص 19.
[7] المصدر نفسه، ص 26.
[8] المصدر نفسه، ص 2.
[9] مارون عبود، صقر لبنان، دار مارون عبود، بيروت، 1975، ص 138
[10] مارون عبود، صقر لبنان ، الصفحتان 133-134.
[11] المصدر نفسه، ص 130.
[12] المصدر نفسه، ص 167-168.
[13] المصدر نفسه، الصفحتان 73-74.
[14] متري سليم بولس، في أدب النهضة الثانية، منشورات Agate، جونية، 1985، ص 9.
[15] متري سليم بولس، التكوين الادبي، منشورات Agate، 1991، ص 9.
[16] ميخائيل نعيمه عن متري سليم بولس، التكوين الأدبي، ص 3.

"لبنان الشاعر" لصلاح لبكي


ألقيت في جامعة سيدة اللويزة
22-03-2007


عنوان الكتاب ينسُب الشاعرية إلى لبنان، وفي الكتاب سياقات توحي بأنّ لبنان هو الشاعر، وأنه بارئ الشعراء ومبدعُهم، فما شعرهم إلاّ امتداد لشعره، وما جمال قصائدهم إلاّ تجليّات جمال طبيعته وسحر تكوينه، وقديمًا قيل الأدب ابن بيئته، وبالنسبة إلى لبنان حقّ القول بأن لبنان والشعر صنوان بل توأمان، فالشعر هو ابن لبنان الشاعر، والشعراء هم أبناؤه المختارون المبارَكون.
ويسأل صلاح لبكي سؤال مجيب عارف: "لماذا انطلق دائمًا من جبالنا ونشأ في سهولنا وعند شواطئنا شعراء كما تبوح الورود وينمو البيلسان، أو كما تعصف العواصف وتشُعّ الأضواء. إنّ لفي طبيعة لبنان من التوازن والاتساق والجمال ما يفيض بعضُه على النفوس ويحرّك القلوب. لقد قام منذ أبعد العصور بين اللبنانيين وطبيعة بلادهم صداقةٌ حميمة... هي تغدق وتشعّ وتلون، وهم يبثون ويفزَعون إليها ويحنون ويعبدون. فترتفع القلوب أنغامًا وتنطلق العقول استنطاقًا عن المكنونات والبواعث والعلل"
[1].
ويقف صلاح لبكي عند جبران ليبرز ارتباط أدبه بلبنان، فيقول: "... جبران لبناني يحسّ في أعماق أعماقه آلام لبنان، وهذا اللبنان الذي استمدّ هو من جباله ووديانه وسهوله وبحره وأغساقه وأسماره ألوان ريشته وصور خياله، وأحبّ أهله وتغنّى بهم، وبحبّ فلاحي بلادنا ورعاتها وكراميها وآبائها وأمهاتها، بحب البنائين والفَخارين والحائكين وصانِعي الأجراس والنواقيس فيها، قد تغنّى..."
[2].
وانعطف على شعر الياس أبو شبكة فبين علاقة شعره بلبنان الشاعر فقال: "أما الطبيعة، الطبيعة اللبنانية، والحياة اللبنانية، وما يرافقها من عادات بريئة مستحبّة فقد غناها أبو شبكة كما لم يغنها أحد من قبله:...
غنى الشتاء:
أمطري واعصفي وارقصي واعزفي...
غنى:
الوجاق والموقدة... والصاج
والجرن والمهباج...
غنى:
النبيذ العتيق... والإبريق...
والرفش والمعولا والموسم المقبلا..."
[3].
وميزة ثانية خُصّ بها اللبناني، وهي كونه معماريًّا، وهذه السِّمة لفتت صلاح لبكي، فوقف عليها فصلاً كاملاً من لبنان الشاعر، ونظر في قول القائل: "الحكمة بنَت بيتها ونحتت أعمدتها السبعة"، وقرنه بالعمران في مدينة جبيل، إذ فيها شيّد أول بيت في العالم بالحجر الموقع، هو بيت الأعمدة السبعة، في الوسط يرتفع واحد، ويصطف إلى الجانبين ثلاثة ثلاثة، والعقل البنّاء هذا تجسّد عمارات شعريةً علاّها الشعراء اللبنانيون، "والبناء في أخص خصائصه إنشاء موحّد التصميم، متماسك الأجزاء، تسوده فكرة واحدة على ما فيها من تشعّب ودقائق متعدّدة، تستقر معه الأجزاء متناغمة في الكل ويشمَل الكلُّ جميعَ الأجزاء"
[4].
ويمعن صلاح لبكي في تقصّي بنايات الشعر اللبناني، من مواكب جبران ذات الاتجاهين:
هل فرشت العشب ليلاً وتلحّفت الفضـا
زاهـدًا في ما سيـأتي ناسيًا ما قد مضى
وسكـون الليل بحـر موجه في مسمَعك
وبصـدر الليل قلـب خافق في مضجعك
أو قول جبران:
والحق للعزم والأرواح ان قويت
سادت وان ضعفت حلت بها الغيرُ
وفي الزراير جبن وهي طائرة
وفي البزاة شموخ وهي تحتضرُ
إلى على بساط الريح لفوزي المعلوف، مبديًا وحدتَي المطولة: وحدة الرحلة إلى عالم الأرواح، ووحدة الموضوع في القصيدة:
هو حلم مجنح رافق الشاعر
يطوي الأجيال جيلاً فجيلا
خلعت يقظةُ العقول جناحين
علـيه يحيـران العقولا...
صعد الطرف في الأثير تجدني
قاطعًا في الأثير ميلاً فميلا
إلى مطولة عبقر لشفيق المعلوف، وهي موحّدة الموضوع يستقطبه الإنسانُ"... بشهواته وأوهامه ونقائصه وأحلامه وقنوطه وحكمته..."، "ولولا أن الشاعر قد فسح للخلاص باسم الحب... لكانت أمثلَ كتابِ للتشاؤم":
وَيْحك يا إنسـان ألق عصا سحرك
ذعرت فينا الجان فعذن بالشيطان
من شرك
إلى قصيدة غلواء لإلياس أبو شبكة، وهي قصيدة الإثم والندم والغُفران:
أمام هذا الهيكل الأطهرِ أمام عين البائس الأكبرِ
أمام أوجاعي أمام الألمْ أمام هذا الضعف هذا السقمْ
وهذه العين التي لم تنمْ
اطرح قلبي للهوى مجمرهْ
وينظر صلاح لبكي في "قدموس" رائعة سعيد عقل من حيث هي بناية شعرية هدفها تمجيد لبنان وتحديد رسالته، فالبلاد التي يتغنّى بها سعيد عقل "كانت إحدى مراكز النشاط العقلي الأولى، إحدى مراكز المعرفة والحضارة، تمكّن الإنسان فيها أن يتغلّب على غرائزه، ويحرّر قواه الروحية، ويتوصّل إلى المحبة الخالصة، إلى جوهر الجمال في الكائن، إلى معانقة النور المنتصر...":
... ولبنان عهدُ
ليس أرزًا، ولا جبالاً، وماءً،
وطني الحبّ، ليس في الحب حقدُ.
وهو نور فلا يضَل: فكدٌّ
ويـد تـبـدع الجمـالَ وعقـلُ
لا تقل: "أمتي"، وتسطو بدنيا
نحن جـار للعـالمـين وأهـلُ
ولا أنسى مطولة سأم للشاعر صلاح لبكي نفسِه، فقد عرض لها فؤاد كنعان كمطولة ذاتِ عمارة واحدة في موضوع واحد، يصور سأم آدم قبل حواء، وإيناسَه بعدها، وتيهَه وإياها:
- سئمت يا ربّ، ولا شيء في
الأرض يزيل السأم العاديا
تعبتها لذائذًا كلّما
دنوت ولّت هازئات بيا...

ومرّ ظل فإذا آدم
يقول: يا للحلم! هذي هيا
***
حواء وحيُ الأعالي أم من نسيج خيالي
في مقلتيـك التماع من روعـة وجلال
حواء هـل أنت الا أغنـيتي وسـؤالي
وإذا في البعيد، عند قيام
الدهر، طيفان يسحبان الهوانا...
[5].

ولبنان الشاعر في رأي صلاح لبكي، فضلاً عن كونه صورة لجمال طبيعته وسموّ معماريته وبنائه، انفتاح على العالم الرحب بل رسالة موجّهة إليه، وصاحب الرسالة لا يعرف الانكفاء، فاليد المنقبضة الأنامل ليست يدًا، ولولا الأنامل ما كانت اليد ولا كان العطاء، فلا انطواء على عربي ولا حدّ، ولا نَفْرة من أجنبي ولا بعد، من أوائل التاريخ من موطن الأجداد انطلاق وامتداد سفني، أرجواني، بلّوري، أحرفي نوراني براق: "وكانوا يسمعون وكانوا يرون وكانت نفوسهم ترتفع وقلوبهم تهتزّ بعاطفة من الحب الشامل. وإذا هم ينعمون بمدنية ما عرفت الدنيا مثلها من قبل. وإذا بيبلوس وإذا صيدون وإذا صور تحمل إلى أقاصي المعمور، إلى الذين لم يروا وإلى الذين لم يسمعوا فيضًا من خيراتها، وفيضًا من حبّها، وفيضًا من إنسانيتها"
[6].
ولا يكتفي صلاح لبكي بالنثر اعتزازًا إذ لبنانه شاعر، فيشفع النثر بالشعر:
أرى من خلال الزمان البعيد
قوافل تمـتد من شط صورِ
وتسري على هينمات الحداة
وتغدو على زقزقات الطيورِ

فيرتقص الكون تيهًا ويزهو
ويرفُل بالأرجوان الوثيـرِ
[7].
ويتلّي:
أتيـتَ تحمـل نبـراسًا إلى بلـد
ضاءت نباريسُه في الأرض أزمانا
هل الحضارات إلا بعض ما نفح الـ
دنيا اعتـزامًا وآمـالاً وعمـرانا
بنـى البنـاء فأعلى من حجـارتـه
وخصَّب الفكر تجـريدًا وبـنيانـا
لـولا هـداه لما كان الوجـود كمـا
كان الوجود ولا الإنسـان إنسـانا
[8].
وصلاح لبكي، في لبنان الشاعر، جدلي مقارِن في تعاطيه مع تطوّر الشعر اللبناني. إنّه حركي النزعة لا يأخذ بالطَّفرة تنبجس ولا بالصحوة تهبط، فالشعر بدأ تقليدًا للقدامى لدى الأخطل الصغير، ثم جاور التقليد تجديدٌ مرده إلى الرومنطيقية لدى الأخطل نفسِه، وانطلق رومنطيقيًّا، خالصًا مع إمامها الياس أبو شبكة، فالحركة: تقليد، ثم اقتران التقليد بالتجديد، ثم خلوص إلى التجديد صرفًا.
ويسوق صلاح لبكي الأدلة على تقليد الأخطل الصغير:
المهى أهـدت إليهـا المقلتين
والظبـا أهـدت إليها العنقا...
ورمى في صـدرها رمانتين
من رأى الرمان فوق الخيزران
فهما في صدرها كالموجـتين
أي صب ما تمـنّى الغـرقـا؟
[9].
أما التجديد فيلحظه في قول الأخطل:
اسقنيها بأبي أنت وأمي
لتجلو الهمّ عني، أنت همّي
إملأ الكأس ابتساما وغراما
فلقد نـام الندامى والخزامى
زحم الصبح الظلاما فإلاما
قم ننهنه شفتينا، ونذوّب مهجتينا، رضي الحب علينا
يا حبيبي
[10] .
وتبلغ الرومنطيقية أوجها مع الياس أبو شبكة، فهو رومنطيقي بمزاجه المنفصم بين العنف والرقة، والصحة والمرض، والبراءة والإثم، وكبريائه في وجه الشقاء، "فهذا المزاج الفريد هو الذي حمله على أن يختار لنفسه مقامًا بين صفوف الرومنطيقيين الفرنسيين... حتى يصِحَّ القولُ فيه: انه لو لم توجد الرومنطيقية قبله لأوجدها هو"
[11].
وتغنّى صلاح لبكي بشعر الياس أبي شبكة:
إجرح القلب واسـق شعـرك مـنه
فدم القلـب خـمـرة الأقلامِ
مصدر الصدق في الشعور هو القلب
وفي القلب مـهبـِط الإلـهامِ
رُبّ جـرح قد صـار ينبـوع شعر
تلتقي عنده النفوس الظوامي
[12].

ويلجأ صلاح لبكي إلى طريقة المقارنة مصحوبة بالحركة النامية في تقصيه تولُّدَ الشعر الرمزي لدى شعراء لبنان، فكما اقترن التقليد بالرومنطيقية قبل انطلاقها في شعر أبو شبكة، هكذا اقترنت الرومنطيقية بالرمزية في أدب جبران، فالطابع الرومنطيقي يغلب على أدب جبران إلاّ أننا نجد لديه بذورًا تعزى إلى الرمزية نمت وأينعت وأتت أُكُلَها في شعر سعيد عقل، فالرمزية وفق صلاح لبكي قائمة على الموسيقى الشعرية والغموض الموحي الذي لا يقيد المتلقّي بانطباع يُفرض عليه فرضًا بل هو يُفسح له في المجال ليعدّد استيحاءاته، وجبران رمزي لأن الغموض لديه يوحي إلى قارئه، ولكنه لا ينفك يعمل على إجلاء غموض وحيه حتى يقيد القارئ به، والرمزية جو موسيقي يلفّه الغموضُ الموحي بلا تقييد.
ويعرض صلاح لبكي لبداية الرمزية في لبنان مع "نشيد السكون" لأديب مظهر، ومطالِعها عند يوسف غصوب، قبل أن يبلغ الشعر الرمزي في لبنان "... أكمل وأجلى مظاهِره مع سعيد عقل"
[13]. والرمزية إيحاء بالشعور إيحاءً بواسطة موسيقى الشعر ورموزِه، وهي غناء صافٍ متجردٌ من الفكرة الواضحة والانفعال الشخصي والإعلام الظاهر"[14].
وبالنسبة إلى سعيد عقل هي سيطرة نغم القصيدة على الشاعر قبل شروعه في النظم، ومن هذه الومضة، من هذه النسرة، من فِلْذَة الجمال هذه ينبثق الشعر، ولكن "لا وجود لأية شرارة جمال إلا ووراءَها عمر من التحضير والكدّ"
[15].
ويتغنّى صلاح بشعر سعيد:
أجمل من عينيكِ حبّي لعينيكِ
فإن غـنّيـت غنّـى الوجـودْ
في نجمنا أنت وفي مـدعى
أشواقنـا أم في كَذاب الـوعودْ
كنت ببالي فاشـتَمَمْتُ الشذا
فيه ترى كنت ببال الورود...
[16].
ولغة لبنان الشاعر هي العربية، ومن المسلّم به أن لغة لبنان الأصلية هي الآرامية، ولكن لغات متعدّدة مصرية، حثية، بابلية، آشورية، فارسية، إغريقية، لاتينية، عربية، تركية، تعاقبت على لبنان، ثم حلّت اللغةُ العربية محلَّ الآرامية
[17].
وصلاح لبكي ضنين باللغة العربية، ولكنه يرفض مقولة طه حسين بأن بعض شعراء المهجر، لعجزهم عن إتقان العربية اتّخذوا الضعف اللغوي مذهبًا
[18]، وينهي: "ولولا أن المجيدين من شعراء المهجر قد تفادوا الركاكة والعبث بحُرْم اللغة والأوزان والقوافي... لما جاز لنا التحدّثُ عن شعرهم ]و[ لو جاز التوقّف عند نزعاتهم الفكرية"، فالجمال ".. لا يُشرق إلا معتمدًا على ركنيه المعنوي والشكلي، فإذا تداعى أحدُهما انهار البناء الجميل كلُّه"[19]



.
[1] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1981، الصفحتان 132 – 133.
[2] المصدر نفسه، الصفحة 187.
[3] صلاح لبكي، "لبنان الشاعر" الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 259.
[4] فؤاد افرام البستاني، عن صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 292.
[5] صلاح لبكي، سأم، الأعمال الكاملة، المجموعة الشعرية، الصفحات: 143، 147، 159.
[6] صلاح لبكي، من أعماق الجبل، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 23.
[7] صلاح لبكي، أرجوحة القمر، الأعمال الكاملة، المجموعة الشعرية، الصفحتان 34-35.
[8] صلاح لبكي، غرباء، الأعمال الكاملة، المجموعة الشعرية، الصفحتان 218 – 219.
[9] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحتان 170-171.
[10] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 176.
[11] المصدر نفسه، الصفحة 254.
[12] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 254.
[13] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 272.
[14] المصدر نفسه، الصفحة 272.
[15] المصدر نفسه، الصفحة 274.
[16] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 284.
[17] أنيس فريحة، اللهجات وأسلوب دراستها، بيروت، دار الجيل، 1989، الصفحة 130.
[18] صلاح لبكي، لبنان الشاعر، الأعمال الكاملة، المجموعة النثرية، الصفحة 240.
[19] المصدر نفسه، الصفحة 241.

رؤيا القديس بولس لبولس طوق


ألقيت في الاونيسكو
20-6-2006


تعود بي الذكرى إلى أكثر من ربع قرن وتحديداً إلى العام 1980، إذ اتّصل بي صديق وفيّ، وكلّ صديق أخ، هو الدكتور سعيد البستانيّ وقال لي: إنّ الجامعة اللبنانيّة ترغب في عقد ندوة تتناول مؤلّفات طالب متميّز من طلابها هو بولس طوق. ولم أكن في تلك المرحلة قد عرفت بولس طوق شخصيًا بل قد سمعت عنه من بعيد. ولبّيت الدعوة بسرور. ذهبت إلى الجامعة اللبنانيّة وكان مقدّم الندوة الصديق المرحوم الدكتور يوسف فرحات، فقدّمني، كان يُعرّف عني في تلك المرحلة وهي مرحلة القسوة وصرامة الأحكام، وصوّرني حاملاً المباضع والمشارط لأنزل في كتب بولس طوق الطالب تشريحًا وتفكيكًا. إلا أنّني اعترضت بمحبة على التقديم ذاته. وقلت لم آتكم حاملاً المشارط والمباضع بل جئتكم حاملاً القلم بيد والمحبّة بيد أخرى والإعجاب في هذا الطالب الطالع إعجابًا موضوعيًا حقيقيًّا.
ولا أذكر ما قلته في ذلك الوقت، إلا أنّ ما قلته كان بداية علاقة استمرّت إلى اليوم وفي هذا الاستمرار ما يغني عن مزيد من القول.
بالنسبة إلى الكتب الثلاثة موضوع بحثنا... اخترت من دون تردّد الكتاب المتعلّق بالقديس بولس. لأسباب قد تكون شخصيّة أو ظاهريّة، إلا أنّنا إذا نظرنا في العمق وجدنا أكثر من التعبير الفواش الصاخب، القديس بولس من ناحية، بولس طوق من ناحية ثانية ومتري بولس من ناحية ثالثة.
هنالك ثلاثة أسماء: القديس بولس نحن بحاجة إلى شفاعته وخصوصًا أنا، أما العزيز بولس طوق فهو يقترب في كثير من الأمور، لا أقول من القداسة، بل يقترب إلى التوق من بعض القداسة.
أمّا أنا فبحاجة إلى شفاعة القديس بولس وإلى شفاعة بولس طوق في الوقت نفسه.
أبدأ بالكتاب من بدايته فقد صدّره الأستاذ بولس طوق، بمقدّمة وهي كما أقول أنا وسيلة فنيّة بل حيلة بارعة يلجأ إليها الكتّاب عادة ليقنعوا القرّاء بموضوعيّة ما يكتبون مع أنّ ما يكتبونه قد يكون في كثير من الأحيان متّسماً بالذاتيّة، وهذه الرسالة متّسمة بالذاتيّة إلا أنّ مقدّمتها حاولت أن تضفي عليها شيئاً من الموضوعيّة.
بولس طوق يقول إنّه، بطبيعة الحال، لن يجدها في قرية أخرى غير بشرّي، وجدها في بشرّي في هوّة صغيرة كالوجه وهذا التعبير رمزيّ. حفر هذه الهوّة فبلغ مغارة استلّ منها الرسالة وأرسلها إلى جامعة ستراسبورغ حيث أعدّ شهادة الدكتوراه وحيث له ولي أصدقاء محبّون، وهنالك قام الأساتذة بفكّ رموز تلك الرسالة فتبيّن أنّها رسالة القديس بولس الضائعة.
هذا الأسلوب الفنّي، هذه الجملة الفنيّة البارعة تضفي موضوعيّةً على كتابة بولس طوق الذاتيّة. ولو عاد الأمر إليّ لكنت تركت الرسالة ككنز عثر عليه طوق دون أن أشير إلى أنّني المؤلّف لا في ملاحظة في أسفل المقدّمة ولا في ملاحظة في آخر الكتاب.
فالقارئ اللبيب قد يضيع بين أمرين، بين الذاتيّة والموضوعيّة إلا أنّه من الأفضل أن نفتح له المجال ليتمكّن بذاته من ترجيح أحد الأمرين. هذه الرسالة رسالة ضائعة اكتشفها بولس طوق في رسالة جديدة تضاف إلى التراث الانسانيّ العريق.
كنت أؤثر أن يترك الأمر لي لأُرجّح، لا أن يهديني في ملاحظة في أسفل الكتاب، أو ملاحظة في آخر الكتاب. أعلم أنّه ينحو في هذا المنحى ما فعله الريحاني في كتاب خالد، عندما قال إنّه وجد كتاب خالد مخطوطاً في القاهرة أو ما فعله نعيمه عندما قال إنّه وجد مذكّرات الارقش في مقهى عربيّ في نيويورك فراح أبناء الجالية يبحثون عن المقهى وعن الأرقش من دون أن يجدوا لهما أثراً لأنّ الكتاب من ابتداع ميخائيل نعيمه.
هذه النقطة الأولى المتعلّقة بالمقدّمة، أمّا النقطة الثانية التي أرغب في أن أقف عندها فهي ما ذكره الاستاذ مطر، أنّ محوريّة الكتاب بكاملها تقوم على السيد المسيح رؤية بولس طوق إليه. وهذا ما يضفي على الكتاب من معاني المحبة والحريّة والاخلاص والخلاص وأنّني هنا أنقل معتمدًا على الذاكرة ما ورد في الفصول الأولى من الكتاب.
يضاف إلى ذلك، أن الكتاب حافل بالثقافة الدينيّة ومعروف أنّ بولس طوق مطّلع على التراث الإنسانيّ.
فالذي يقرأ أبحاثه الجامعيّة يعرف أنّه ملمٌ بالديانات عند اليونان وبأنّه يحبّ محبّة خاصّة Orphelis وأنّه مطّلع أيضاً على الديانات عند الفينيقيّين وكذلك عند الفرس وخصوصاً عند الهنود وأشير بالدقة إلى بوذا. يُضاف إلى هذا القضايا الأساسيّة اللافتة في هذا الكتاب والتي كانت فيها نظرة جديدة أعجبتني لا ذاتيًّا بل أقول موضوعيًّا وعن قناعة، في هذا الكتاب أولاً قيامة المسيح، فبولس طوق يرى أن الذين يشكّكون في قيامة المسيح يشكّكون في إمكان قيام الإنسانيّة، وهذا أمر في منتهى الذكاء، فإذا كان المسيح على ما أوتي من قوّة إلهية وعلى اعتباره ابن الله عاجزًا عن القيام في اليوم الثالث فالبشريّة كلّها محكومة بالفناء ولن تتمكّن من القيامة لا في اليوم الثالث ولا في اليوم الثلاثين.
هذه قضيّة مهمّة، الربط بين قيامة المسيح وقيامة المسيحيّين لا بل أقول قيامة جميع البشر.
النقطة اللافتة في هذا الكتاب، هي قضيّة الوحدة أو التوحيد. فالآخرون أو السوى يقيمون الصراع بين الأديان، في حين نرى بولس طوق يقيم التكامل بين الأديان، فكلّ دين من الأديان قبل المسيح وبعد المسيح لَبِنَة في عمارة سابقة، عمارة الايمان، والايمان محوره السيّد المسيح، فحيث التمزّق والتفريق يدعو بولس طوق إلى الوحدة والتكامل والتآلف.
إذًا القيامة أولاً والوحدة ثانياً.
النقطة الثالثة والتي تبدو غريبة بالنسبة إلى الغير، هي قضية التطوّر. إذ قامت بين التطورين، وأنا منهم وأعتقد أن بولس منهم، وما أسمّيهم أصحاب النقل، قامت صراعات على مدى الزمن واندلعت خصوصاً منذ العام 1882 في الجامعة الأميركيّة. وتصدّرها في ذلك الوقت جرجي زيدان. اتّفقت الجامعة الأميركيّة والتي كان لي شرف التعليم فيها إحدى وعشرين سنة وجامعة القدّيس يوسف التي لي الشرف ان استمرّ فيها في التعليم منذ أربعين عاماً. قامت الجامعتان بحملة شعواء على الذين آمنوا بالتطوّر أو اعتقدوا بالتطوّر واتّهموهم بالكفر بل كفّروهم إلى أن برز في حاضرة الفاتيكان يوحنا بولس الثاني البابا السابق وأعلن جهراً أن لا تناقض بين التطوّر والإيمان، أي لا تناقض بين العقل والنقل.
وكتاب بولس طوق يدعو إلى مثل هذا التلازم بين الايمان والتطوّر فالكتاب ركن من أركان هذا الكتاب قائم على عقيدة التطوّر. فالانسان وإن وجد بأمر من الله بإرادة إلهيّة "كن فكان" فإنّه ضمن الطبيعة والجسد يخضع لناموس التطوّر، وأعمّم في أنّ جميع المؤسّسات بما فيها المؤسّسات الدينيّة تخضع لناموس التطوّر. بالنسبة إلى بولس طوق التطوّر والإيمان لا يتناقضان فالمؤمن متطوّر والمتطوّر ليس بكافر.
والنقطة التالية التي أرغب في أن أقف عندها هي قضيّة التقمّص. وقد خصّ بولس طوق التقمّص بفصل كامل في هذا الكتاب.
بالنسبة إلى التقمّص لا اريد الخوض في إيمانه أو في عدم إيمانه بعقيدة التقمّص فالأمر عائد إليه، أمّا موقفه من التقمّص فموقف عقلانيّ مقنع. فإنّه يفسّر أوّل الأمر الفوارق بين الناس، يأتي الناس الأرض متمايزين من حيث الذكاء والغباء، من حيث الفقر والغنى، من حيث الصحّة والمرض، والله عادل، فكيف نفسّر هذا التمايز بين الناس. بالنسبة إلى بولس طوق لا يمكننا أن نفسّر هذا التمايز إلا بالعودة إلى أعمار سابقة وبالركون إلى مبدأ العدالة الإلهيّة. فالله العادل يفرض المساواة بين الناس جميعاً.
النقطة الثالثة التي يعالجها بولس طوق في فصل التقمّص هي قضيّة ما يسمّيه الارتقاء. الانسان يحتاج ليرتقي ليبلغ قمّة الارتقاء، بالنسبة إليه قمّة الارتقاء هي السيّد المسيح. يحتاج إلى تجارب كثيرة كي يصفى عبر الزمن مرّة تلو المرّة فيبلغ هو النهائيّ وهو الاتّحاد بالسيد المسيح. أمّا ما يقال عن عمليّة الخلق فهي بالنسبة إلى غير المؤمنين بالتقمّص تمّت مرّة واحدة والذين يوجدون على الأرض اليوم كان يجب أن يوجدوا منذ ملايين السنين انطلاقاً من نظريّة التطوّر. أمّا بولس طوق فيرى أنّ التجسّد لم يتمّ مرّة واحدة فالتعبّد يتمّ على التوالي والله قادرٌ على أن يخلق كلّ يوم أجيالاً جديدة من الناس. فالتجسّد لم يتمَّ مرّة واحدة وثمّة أرواح في العلى ما تزال حتى اليوم غير متجسّدة وهي قابلة للتجسّد في هذا الزمن أو في أزمان آتية. أختم كي لا أطيل عليكم، إنّ هذا الكتاب يتضمّن الكثير من نزاعات الصراع والجدل فكان بولس طوق المحامي ينفدُ إلى الكتاب في ناحية ثابتة ليرافع ويدافع أو ليرى الجانب القاتم المتعلّق بمسار البشريّة الطويل. في الحقيقة إذا نظرنا في مسار هذه البشريّة أدركنا اليأس فكأنّ السيّد المسيح لم يأتِ وهو في الطريق إلينا
.

أنطون غطّاس كرم في دراسته

الحركة الثقافية – انطلياس
13/03/2005
لم ينطلق الدكتور أنطون غطاس كرم في دراسته الأدب العربي الحديث والمعاصر من فراغ، فقد اعتمد في أبحاثه مبادئ فكرية وأدبية ومنهجية تنِمّ على إعداد ثقافي عميق قبل خوضه غُمار أبحاثه. وهذه المبادئ هي التي تُبرز شخصيّتَه كباحث وتميّزه من الباحثين الآخرين في طريقة تناوله مواضيع دراسته.
وأول هذه المبادئ مستمدّ من نظرية التطور، قال في الصدد هذا: «ان... تجسيد الحقائق المتحولة يعني تحنيطها في قوالب، وفصلَها عن الصيرورة المستديمة، وإخراجَها من ناموس الحياة التي هي تحوُّل وصيرورة أبدية»
[1].
وهذا المبدأ ليس عارضًا يظهر في دراسة ليغيب عن سائر دراساته، إنه قاعدة عامة، وركيزة أساسية في أبحاثه كلِّها، وهو بعض من رؤية الدكتور كرم الى الحياة والكون، فجوهر الحياة في نظره حركة، وطبيعة الكون صيرورة، والأدب كظاهرة حياتية ونظرة الى الكون مشمول بهذا المبدإ العام، ولذا انتشرت مصطلحات التطوّر في معظم أبحاثه، من مثل قوله «بقاء الأكمل» و«شريعة تحوّل الكائنات» و«قاعدة التطوّر» و«هكذا يُبنى الاصطفاء على قاعدة الاختراع»
[2].
ومبدأ ثانٍ، قاعدةٌ ثانية عامة، يُعوِّل عليها الدكتور كرم في تناوله الأدب، وهو مبدأ الاكتناه الباطني، أي تناولُ الأدب من الداخل وليس من الهوامش والمحيط، فالانطلاق، وفق رأيه، يجب أن يكون من النص الأدبي الحديث والمعاصر، وليس من العوامل والمؤثرات غير الأدبية، وهذا المبدأ جعله يصدِف عن النظريات والمذاهب والجمالية والمنهج التاريخي بعدما كان قد عوّل عليها ردحًا من الزمن في أبحاثه الأدبية، قال:
«... ان المنهج التاريخي الأكاديمي لا يأتلي يستنفد الأصول... حتى إذا بلغ الباحث منهم موضعَ الرائع، أثبت النصّ الأدبي، وارتدّ عن سرّه الجميل كليلًا يتلهّى بنوافل السرد... وبيان الحواشي اللغوية، ويظلّ الوهج الخلاق مغلقًا عليه...»
[3] ، وأردف: «عندها يتحدّد المرمى الذي سعينا إليه، من أن يُحصرَ البحثُ في الأدب الحديث من حيث هو، وأن يُحدَّد مسراه من داخل طبيعته بالذات، على نحو ما تتمثّـل طبيعتُه في أعلى نماذجه منثورًا ومنظومًا»[4]، وثمّ يؤكّد: «... اننا لنُشيح عن تدارس هذه العوامل [ يعني العوامل الخارجية ]، ونكتفي بالاحالة الى مظانها خشاة أن يصرِفنا البحثُ المفصل فيها عن دراسة الأدب من حيث هو».
وثمّة مبدأ ثالث يركن إليه الدكتور كرم في خطة بحثه وهو مبدأ التوحّد، لأنّ الهدف القصيّ للبحث الأدبي، في رأيه، هو إدراك كنهِ الإبداع أو لحظتِه، والنفاذُ الى موطن الروعة أو الرائع فيه، وهذا الموطن يكتنفه السرّ، قال متحدثًا عن تجربته الشخصية: «ثم بان لكاتب هذه السطور، أنّ وراء ما ذوَّب في ثقافته من مفاهيم الجمالية، وتمرَّس به من مقومات منهجية التاريخ، تجربةً روحيةً لا تُدرك الا بما يُشبه رياضةَ التعاشق بين القارئ والأثر الفني»
[5] .
ومع أنه حاول شرح حالة الإبداع، أو الرائع حسب قوله، بأنها في الصميم وجدان موسيقي داخلي، وأن هذه الموسيقى تكتسي الصورةَ المنبثقة من الخيال السابـق للعقل والفكر إذ قـال: «... ان حال التهيّؤ بـالصميم موسيقى داخلية، تنهض منها عرائسُ الصور... [و] الصورة أسبق من الفكر، والفكر لا يصير مادة للشعر إلا بها. الخيال أبعد فتحًا من العقل... [و] المخيّلة مِفتاح العبقرية...»
[6] ، على الرغم من شرحه العلمي هذا، نراه يركن الى مبدإ التوحّد او الاتحاد، فيؤكّد أنّ علاقة القارئ، وبالتالي الباحث، بالنص الأدبي كتجربة روحية لا تدرك إلا بتوحُّد الروح مع الروح، روح الباحث وروح المبدع الخلاق بل الخالق، انها اتحاد المحبّ بالمحبوب، واندماج هويةٍ في هوية، اندماج الأنا في الآخر، لأنّ إدراك الحياة لا يتمّ إلا بمعانقة الحياة، والحالة الإبداعية لا تذاق إلا بحالة، والنشوة تلتقي النشوة.
قضية رابعة أقف عندها هي علاقة الشكل بالمضمون، فقد اشتُهر الدكتور كرم بأنه من كبار الأسلوبيين المعاصرين، وهذا الحكم حقّ، إلاّ أنه يسيء الى الدكتور كرم إذا نحن أغفلنا جانبًا آخر مهمًّا في شخصيته وأدبه. إنّ جمال الأسلوب في رأيه يجب أن يقترن بجمال المعنى بل أن يزيدَه جمالًا، فقد سعى، حسب قوله، إلى «... تحقيق البهاء التعبيري الذي يجمّـل المضمونَ الجميل»
[7]. وكثيرًا ما نراه يحمل على التصنّع الشكلي نثرًا وشِعرًا، قال في نقده بعضَ النثر هذا: «... ويكتظ النثر بالزَّركش والزينة... ويُفرِّق المعنى الضَّحل على تبسّط مسهب، فيفنى قليلُه في الكلام المتحذلق...»[8]، وكال لبعض الشعراء بقوله: «...عبث اللفظيين من أرباب النظم الذين حولوا الشعر الى لوذعة عروضية وقول خَواء»[9].
إنّ الفكر لا يقلّ أهميّة عن الصياغة لدى الدكتور كرم، انه مفكّر حتى في إبداعـه الشكلي، بل ان الايقاع الكلامي عنده يـوازي ايقـاعَ الذهن، وفـواصل الجمل وحركتها ووقفاتها في عباراته هي خطرات الفكر وتداعياته في أدبه الابداعي وأبحاثه، قال يصف أسلوب كتابة راقته: «... فكّت النثر من عِقاله، فسال بعد تجمُّد، وانسرح مرسلًا طيِّعًا وفقًا لمطلب الفكر. وانقطعت جملتُه الواحدة على مقدار المبتغى الذهني... وتساوى زمان الفكرة وما يقابلها من الأوقات الموسيقية في العبارة... وصار [اللفظ] يُصطفى وفقًا لملاءمة مضمونه... وبديل أن يدور الصوت الواحد على نفسه... تراكم ونما بتراكم المحتوى ونموّه»
[10].
قضية خامسة أقف عندها تعالج رأي الدكتور كرم في الفنون الأدبية. كان شديد الاحتفال بهذه الفنون، وله رأي ثابت في نشأة الجديد وتطور القديم منها. فقد أشار الى الفنون الطارئة على الأدب العربي «أو المتطورة من داخله... حتى كاد بعضُه أن ينقطع عن قديمه جملةً وعن جذوره»
[11]، ومن هذه الفنون المقالة، والقصة، والمسرح، والنقد، والشعر.
وأشار الى هذه الفنون في موضع آخر مبرزًا أثرَ الغرب فيها بقوله: «... كلّما أَفَل في الغرب زِيٌّ أدبيّ بدأ مثلُه في بلاد العرب... ونرى الأنماط الأدبية التقليدية تفنى تدريجيًّا وتطغى الأزياءُ الغربية حتى تغشى الأدبَ المعاصر بجملته. فقد نشأت فنونٌ أدبية وأساليب لم يعهدْها الأدبُ العربي حصريًّا من قبل: المسرح، الملحمة، القصة، أدب الصحافة، والشعر المنثور»
[12].
إذًا، ثمّة فنون مستحدثة لم يعرفْها الأدب العربي من قبل، إنها فنون طارئة وفدت على الأدب العربي من الآداب الغربية، ومحاولة ردِّها الى جذور أدبية عربية هو ضرب من ضروب التمحل، انها من قبيل تفسير اللاحق بالسابق تعنّتًا وتعصّـبًا، قال في نشأة الرواية: «أمّا الرواية أو القصة، فمهما قيل عن روابطها التراثية بالأدب العربي القديم، إنّما يقال على سبيل التمحُّـل، إذ لم يخل نتاج أمة، في الأرض من القَصص بمعناه العام، لكنها في شكلها العصري هي فنّ طارف النشأة، غربي المنبَع والماهيّة والتكنيك...»
[13]، ثم يرفض إقحام المقامات في باب الرواية العصرية لأن غرضها تعليمي.
وموقفه من نشأة المسرح جازم حاسم، فهو يرفض محاولات ردِّه الى احتفالات عاشوراء، أو الى مسرح الظل، ويقطع «أنّ التأليف المسرحي هو وليد التماس الحضاري بين الشرق العربي والغرب»
[14]، ثم يوغل في تلمُّس نشأته عند الأمم الغربية، فيرى «... ان هذا الفن قد نبع أصلًا من حياة الشعوب في الأمم، وأنه لم يُكتب له البقاء والتطوّر والازدهار إلا بمقدار انبثاقه من واقعها الفولكلوري، قبل أن يُضحي ملوكيًّا ارستقراطيًّا...»[15]، ويُنهي قائلًا: «... إن الفنّ المسرحي لم ينبُت في تربتنا الشعبية... ولم يُصِبْ قليلًا من نكهة الأصالة إلا حين عاد الى الشعب...»[16].
ولم يكتفِ بمعالجة نشأة المسرح فوقف عند تقنيّته وِقفة عارف، وأبدى قدرة تركيبية لافتة في تحديده لأركان المسرحية من البنية التأليفية، والحوار، وتفاعلِ الأحداث والأشخاص، وتطورِ الفعل الرئيس وانصبابِ التفرّعات كلِّها فيه، وترابطِ الفصول نموًّا، وارتسامِ الخط البياني مدخلًا وعقدة وأزمة وحلًا، الى الإخراج وفنِّه
[17]، وألمّ ببعض الأعمال المحمولة على المسرح من دون ان تنتسب تقنيًّا اليه، فهي تتضمّن قصائد غنائية رائعة ولكنها «... نافلة من حيث هي أجزاء نامية في بنية مسرحية»[18].
وختم قائلًا: «... الأمّة التي لا مسرح عندها تفقِد ركنًا من أركان الحضارة»
[19].
وأنظر في قضية سادسة نظر الدكتور كرم فيها ممعنًا متألِّمًا وهي انعكاس الواقع الاجتماعي على الأدب وكيف تتحوّل البواعث الاجتماعية والسياسية الى أدب، ويلحظ في الصدد هذا أنّ القضية المحورية الكبرى واحدة «... هي قضية المجتمع العربي في موقفه المتأرجح بين الأخذ بأسباب الحضارة الجديدة، والحفاظ على تراثه الأصيل... إذ يشعر هذا المجتمع بتخلّفه... ويعي أن في تراثه الأصيل قِـيَمًا... لا بدّ له من صيانتها... خشاة أن تزول، وأن يُقتلع ماضيه من الجذور»
[20].
ويعالج الدكتور كرم تواليًا قضايا الإصلاح الديني، والإصلاح الاجتماعي، وقضيّة المرأة، والانقسامَ الطبقي، والنزوح من الريف الى المدينة، والهجرة، في الأدب الحديث والمعاصر، ولكن الموضوع الأهم في معالجته هو قضية النخبة كيلا أقول مأساتَها، ولا أبالغ إذا قلت إن معاناة النخبة هي معاناة الدكتور كرم نفسِه، قال: «في هذين الموضعين [ يعني موضعَ التخلّف واستغلال الحكّام ] يكمن أصلُ التحدّي في أدب التقدميين، في رأينا، وما خالط النخبةَ العربية من مرارة، وحيرة، وتحرُّق الى غد أفضل... قلت النخبة لأنها هي التي تعاني المأساة بأسبابها العميقة، ونتائجها القريبة والبعيدة...»
[21].
والنخبة لا تعني، وفق رأيه، طبقةً فوق سائر الطبقات، فمعيارُه النخبوي غير قائم على التعالي، بل على الاختصاص، والأكاديمية، ومعايشة الكتب، واتقان اللغات العربية والأجنبية، وهذه الفئة تعاني لأنها تعي وضع التخلّف في بلادها وأثرةَ الزعماء الساعين الى مصالحهم واجتناء الثروات.
ومعاناة النخبة، كما يصفها الدكتور كرم، متعدّدة المظاهر، فإما أن تطغى السياسة على علمها فتنقادَ للذهنية السياسية السائدة، وإما أن تنأى عن السياسة فتنعزلَ مكرهة، أو تعملَ في الدولة مرؤوسة، أو تحت إمرة نخبة أجنبية، وكثيرًا ما يُبعدها أهلُ السياسة كيلا يؤذِنَ عهدُ السياسة المتخلفة بأفول
[22].
أما في القطاع الخاص فتعمل لترتزق، أو تهاجر لتنطلق، أو تتلقّفُها بيئاتُها الأولى ذاتُ المستويات المتدنية فتنتجُ ما لا قيمة له.
وعلى الرغم من هذه اللوحة السوداء يخلص الدكتور كرم الى حكم نيِّر يدحر الظلمةَ فيقول: إن المجتمع لن يظلّ موزعًا بين الأمية وأنصاف المثقفين، و«... معظم ما وُضِع من تأليف عربي جِدّي، في كل باب، هو من صُنع هذه النخبة...»
[23]، ويدعو الى «... انصراف المؤلفين انصرافًا صوفيًّا للعناية العِلمية، والتقصّي الفكري، واستنفاد الحقائق المستدِقة الخافية، وتوخّي الكمال في الاتقان الوئيد»[24].
وأقف عند قضية سابعة أطالَ الدكتور كرم الوقوف عندها، وهي التيارات الأدبية والفكرية في الأدب الحديث والمعاصر، وقد أجملها في تيارات خمسة، أوّلها تيار لم يهتم الا بالجانب اللغوي من التراث، وفاته الجانب الفكري الذي اتّسم به الأدب العربي يوم بلغ أوجَه على عهد بني العباس، وموقف كرم من هذه الفئة سلبي لأنها تمثّل البهلوانية اللغوية والخواء الفكري، قال في الصدد هذا:
«فكان من أبرز ميزات الأدب عندهم أنه بات مجالًا لإثبات سلطانهم اللغوي، وضربًا من الرياضة اللفظية الجوفاء... أو قُل إنّ اللغة التي شاخت فقدت حرارتها الذهنية المخترعة، وضيّعت بعدًا من أبعادها، هو بُعد العمق، فاستحالت شعوذة وطلاءَ فراغ»
[25].
وثمّة فئة ثانية التفتت الى القديم، واطلعت على ما فيه من كنوز الفكر والفلسفة والعِلم، إلاّ أنها رأت فيه مثَلها الأعلى، فراحت تحذو حذوه وتقلده وتنسج على نوله، وهذه الفئة عمقت الهوّة بينها وبين الغرب وما أحرزه من تطوّر، فاكتفت بالماضي واعتبرته الكمال بعينه، هذا التيار «... داخلته خشية على بقائه، من أن تقتلع الموجة العارمة المجتاحة جذوره، فوقف من الحضارة المحيقة به موقف الحذر المشوب بالعداء، وجابهها بالثقة الراسخة من أن الموروث العربي الأصيل لم يتخلّف بجوهره، وإنما الناس عمهوا، فتخلّفوا عن الإحاطة بهذا العريق القديم...»
[26].
أما الفئة الثالثة فهي التي انفتحت على حضارة الغرب نصف انفتاح، إذ أرادت النهل من ينابيعه، ولكنها عجزت عن ذلك لجهلها لغاته، فاستمدّت منه «... مداورة عن طريق الصحافة المتعجلة والاقتباس المشوَّه. وعَزَلها عن كنوز الغرب جهلُها للغاته. فتلقت منه لُمَعًا جانبية. وتوقفت عند المعارف المعاصرة، وامتنع عليها سَبْرٌ واستنفاد...»
[27].
أما الفئة الرابعة فهي التي نبذت القديم، والتفتت الى الغرب تغرف من معينه لغة وأدبًا وفكرًا وفلسفة، فكان لها من اطلاعها على الغرب تضلع من لغاته، وعمق من فكره، واصطناع لفنونه، وتدرب على مناهجه العلمية، إلا أنّها لإهمالها التراث أهملت معه حاضنة التراث أي لغته، فأصاب لغتها العربية وهن وركاكة، واعترى فكرَها غموضٌ والتباس، إنها فئة «... أغفلت إشراق البيان، وفاتها الايغال في معرفة الضاد، وتهاونت في اتقان الروعة في الصيغة فنشأ عنه أن هذا القصور اللغوي ردّ المضامين المكتشفة باهتة كليلة مبتسرة، يشوبها إبهام هو أحيانًا وليد العجز عن الإحاطة بأصول اللغة والعجز عن تحقيق البهاء التعبيري... وأسرفوا في هذا التهاون حتى التضعضع والانحلال، وتطاول على الأدب مَن ليس مِـن أهله...»
[28].
أمّا الفئة الخامسة، وأغلب الظنّ أن الدكتور كرم ينتمي اليها، فهي التي اطلعت على التراث لغةً وفكرًا، ونهلت من الغرب لغةً وفكرًا، فازدوجت لغتها أو تثلّثت فكان لها من التراث رونق لغته وإشراق فكره وإحاطة حضارته، ومن الغرب طيِّع لغاته، وعميق فكره وفلسفته، ودقّة منهجه وعِلمه، انها «... فئة أعرقت في القديم العربي إعراقًا أثيلًا، وذوّبت في نفسها عبقرية اللغة، ونفذت الى مكنونات الحضارة العربية دينًا وفلسفةً وأدبًا وتاريخًا وعِلمًا وفنًّا، واستنفدت منها طائفة صالحة، ثم انعطفت نحو بستان الفكر العالمي من حضارة الإغريق قدمًا الى الزمن الحاضر، وطفقت تعتصر وتحتسي وتصبّ في كؤوسها العربية للجماهير المثقفة الطالعة خلاصات إنسانية نمّت العبقرية العربية بعبقريات الأعلام من سائر الأمم»
[29].
قضية ثامنة وأخيرة ألمَّ بها الدكتور كرم إذ عوّل على نظرية العناصر الأربعة المستمدة من باشلار في تناوله جوانب من أدب ميخائيل نعيمه، فجعل عنصر الماء منطلقه في دراسة قصيدة «النهر المتجمد» لنعيمه، وعنصر التراب بل الأرض في دراسته أقصوصة «ساعة الكوكو»، وأشار الى تفاعل الماء والتراب في تناوله خطبة نعيمه «مدنيّة الآلات والأزمات»، فكلما انقشع للكاتب «... المزيد من ماهية الحياة خفّ عنصر الماء، فارتقى، وانتشر، واكتسى طبيعة الهواء في الغيوم، وطبيعة الضيـاء...»، و«... تفتّحت حنايـا المادة، وصارت من طبيعة الشمس والريح، فيسيل من تفاعل العناصر الأربعة رحيق الحياة...»
[30].

[1] المصدر نفسه، الصفحة 103.
[2] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحتان 18 و110.
[3] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 13.
[4] المصدر نفسه، الصفحات 17-18 و116، و118.
[5] المصدر نفسه، الصفحة 13.
[6] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 241.
[7] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 32.
[8] المصدر نفسه، الصفحة 39.
[9] المصدر نفسه، الصفحة 145.
[10] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 40.
[11] المصدر نفسه، الصفحة 48.
[12] المصدر نفسه، الصفحة 311.
[13] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر ، الصفحة 57.
[14] المصدر نفسه، الصفحة 66.
[15] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[16] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 66.
[17] المصدر نفسه ، الصفحة 68.
[18] المصدر نفسه، الصفحة 71.
[19] المصدر نفسه، الصفحة 67.
[20] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 182.
[21] المصدر نفسه، الصفحة 195.
[22] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 197.
[23] المصدر نفسه، الصفحة 195.
[24] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 198.
[25] المصدر نفسه، الصفحتان 20-21.
[26] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 21.
[27] المصدر نفسه، الصفحة 21.
[28] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحة 33.
[29] أنطون غطّاس كرم، في الأدب العربي الحديث والمعاصر، الصفحتان 32 – 33.
[30] المصدر نفسه، الصفحتان 272-273.

رؤية كرم ملحم كرم




ألقيت في المعهد الأنطوني - بعبدا
30/06/2003




لكلّ روائيّ مُبدع نظرة الى الكون والحياة والمجتمع، نظرة يُعبِّر عنها مباشَرةً بواسطة مُداخلات تُبدي آراءَه وعقيدتَه، أو بطريقة غير مباشِرة إذ ينسبُها الى شخصيات يُحمِّلها وجهات نظرِه، أو يَبثُّها في عِبرة عامة تنجم عن القصة إجمالاً.
وفي سعيٍ إلى تلمُّس عقيدة كرم ملحم كرم من خلال بعض رواياته وأقاصيصه، أَبدأُ بباكورته "صرخة الألم" وقد أَصدرَها في عام 1936، وذكر في التمهيد لها أنه عاش بنفسه أحداثها، قال: "هذه قصة تـنبِض كل كلمة فيها بالحقيقة... وكل ما سمعتْ أذني ورأتْ عيني خَطَّ قلمي. فما زدتُ على ما اتَّفق لي حرفًا... حسبي أن أكون استطعتُ التأريخَ في مأساةٍ شاءَ القدرُ أن أكون أحدَ أبطالها..."
(1).
طبعًا، ليس لنا أن نعتبر "صرخة الألم" سيرةً ذاتية، فهي رواية، أي عملٍ فني، تقوم على تجربة شخصية، ما يُتيح لنا أن نُقرِّب شخصيةَ البطل من شخصية المؤلّف، ونعزو آراءَ الأول الى الثاني.
وثمة رأي في "صرخة الألم" يُـدلي به البطلُ - المؤلِّف، ويتضمّن نظرتَـه الى الأرض. إنها، وفق رأيه أُمٌّ ومقبرة، أُمٌّ تحضُن الحياةَ ومقبرة تُواريها، قال: "... الأرض حية رقطاء، وأُمٌّ حنون... الأرض تُحيي ثم تُميت... لا يوشك المرءُ أن يدرج على سَطْحِ هذه المُتصدِّقة البغيِّ حتى تزِلّ به القدمُ ويتدحرج الى الرمْس. والويل لمَن تزِلّ به القدم. فالأرض فاتحةٌ لابتلاعِه شِدْقَيْها..."
(2).
وهذا الرأي، وإنْ تعلّق بالأرض، هو في شمول دلالتِه موقفٌ من الحياة والموت، ونلحَظُ أنّ المؤلّف يُشدِّد على ظاهرة الموت كخاتمة تقضي على حياة الانسان.
إلاّ أنّ غلَبَة الموت على الحياة لم تَنْتهِ بالمؤلّف الى القول بالعبثيّة والاستسلام. فقد جَدَّ يَبْحَثُ عن الطريقة الفُضلى لمُقارعة الموت. فإذا كان الموت قضاءً على الحياة فإنّ مواجهتَه لا تتمّ إلاّ بالخلود، قال: "... أشعار هوميروس وفرجيل والمتنبي ودانتيه وشكسبير وفكتور هوغو متينَةٌ دعائمُها كدعائم الأرض، ولكن هذه الأرض أودَتْ بهوميروس وفرجيل والمتنبي ودانتيه وشكسبير وفكتور هوغو وإنْ تكن عجِزت عن آثارِهم..."
(3).
اذًا، إنّ الانتصار على إفناء الأرض لأبنائها لا يتحقّق إلاّ بأعمال جليلة تُؤمِّن الخلودَ، ومن هذه الأعمال ما يُنجزه القلمُ، قال: "... هذه الأرض لا يسقيها المرارةَ غيرُ الخلود. فكل ما هو خالد يَعَضُّ قلبَها... فقد كوى مهجتَها القلمُ يوم تعرّف به الإنسانُ الى الكتابة... فالكتابة من رموز الخلود..."
(4).
وبذلك لا تعود الكتابةُ مجرّدَ تأليفِ رواية أو أقصوصة أو مقالة، أو إصدار مجلة على أهميّة هذه الأعمال، فهي في عُمْقِها وهدفها صراع ضدّ الفناء لإثبات الذات وتحقيق الخلود. وفي هذا ما يُفسِّر إكبابَ كرم ملحم كرم على الكتابة ليلَ نهار. كان الرجلُ يصَارِعُ الموتَ ويسعى الى خلوده.
واجه كرم ملحم كرم الموتَ والفناءَ بخلود القلم، وعاش في الحياة تجربةَ الحب. والحب أنواع، فأيٌّ منها هو الغالب على نظرته الى علاقة الرجل والمرأة في رواياته وأقاصيصه؟ إنه الحبُّ – الولَع، الحبُّ الذي يُسيطر على كيان المُحِبّ، ويستحوذ على جميع قِواه قلبًا وجسدًا، فكرًا وخيالاً وروحًا. هو الجوهر المُحْيي، كنهُ الحياة، لبُّها، ومطلقُها، قال مبديًا رأيَه في الحب: "... كل عاطفة باردة مصيرُها الموت. كلّ حبّ فاتر نصيبُه الذوَبان والاضمحلال. فالعاطفة إنْ لم تكن متَّقِدةً فلا تُرضي النفسَ ولا تهزُّ القلبَ... الحبّ إنْ لم يضطرم كالنار ليس حبًّا صادقًا، إنْ لم تُبَطِّنْهُ الغيرةُ فمن المحال أن يدوم..."
(5).
وهذا الحبّ ذو سلطان، بل هو السلطان، على المحبّين، حتى على الجبّارين والعُتاة منهم. وايمان المؤلِّف بسَطوة الحبّ على المحبّين حَمَلَهُ على العودة الى تاريخ العرب يَنْهَلُ منه ما يُوافق نظرتَهُ الى الحبّ، قال في "لُبنى ذات الطيوب": "... الحبّ حُكْمٌ لا مردّ له. فيستأسِدُ ويتَنمَّر ويأبى الاّ أن يفرِض بنودَه كالمشيئة الغلاّبة لا تُقِرّ بهوادة وترتضي في رغائبها عُدولاً أو تعديلاً"
(6).
وفي روايته "أُمّ البنين" يصف سيطرةَ الحبّ على الخليفة البطّاش الوليد بن عبد الملك بقوله: "... الكلمة كلمتُه في الأرواح والأموال... ولم يكن بالمتقاعد عن الاستئثار بالأرواح، وسيفُه لا يستقرّ في غِمده، ولا نصْلتُه تجِفّ، وهي السابحة أبدًا في صهاريج مترعة بالدماء والأشلاء، الاّ أنّ هذا الجبّير القاسي الجَأْش، لم يعدَم غِلالةً من لين... استولَتْ عليها أُمُّ البنين... حتى بات لديها سهلَ المَقادَة، مسلوبَ العزْمة... فهي وحْدَها ذاتُ نَهْيٍ عليه..."
(7).
وهذا الحبّ مصدرُ سعادةٍ لأنه ينطلق من عُمْق أعماق الانسان، ويُحقّق ذاتَه وتوقَ الحياة فيه الى الحياة، ولكنه النار المحرقة وليس بردًا على المحبّين وسلامًا، قال في ذلك: "... الحبّ مع حلاوته لا يخلو من مرارة تطغى عليه ولا تُبقي من أطايبه غيرَ النَّزر الطفيف. الحبّ مع أناشيده العذبة لا يترنّم مبتهجًا فرحًا غيرَ ساعات قلائل، على حين تنقضي معظمُ أيامِه على حسرة وخيبة وامتعاض..."
(8).
وآلام الحبّ ملازمة للحب – الولَع في رأي المؤلِّف، فـالوساوس ترافقه، والغيرة تُواكبه، والتوتُّر يَسِمه، والسعْي الى امتلاك المحبوب يُرهقُه، ومصارعة الزمان القُلَّب، ومغالبة المكان المناوِئ، ومجابهة الأقربين والأبعدين والمجتمع وتقاليدِه، هذه كلُّها تُضنـيه وتُشقيه وتكـاد تُطيحه، بل يكاد هو أن يُحـطِّم ذاتَه بذاته، قـال: "... ليس للحبّ الدفين، حـين يستيقظ، عِلالةٌ من تَـؤَدَة. فيثور كأنه ما يبرح في نشأته. وانه ليبلغ من السَّورة ما يجـنح به إلى التحطيم، والتهديم والحُمْق. وإذا عجِزَ عن فكِّ قيدِه، وإدراك وَطَرِه، ارتدَّ الى نفسه يُقوِّض مناعتَها..."
(9).
وهذا الحبّ الفاجِع هو الذي وصفَه كرم ملحم كرم كرمز في رواياته التاريخية وحتى في أقاصيصه اللبنانية، فحُبُّ روضةَ لوضّاح في رواية "أُمُّ البنين"، وحبُّ مؤمنة لعبد الرحمن في "صقْر قريش"، وأرينب لعبدالله في "دمعة يزيد"، ونَسْـل شاه للجزّار في "قهقهة الجزّار"، وكريمة وفريد في "أشباح القرية" هو من الحبّ – الولَع الحافل بالمآسي، والمُعبِّر عن سعادة مأزومة مآلُها الموت في كثير من الأحيان.
قضية ثالثة تتناول نظرةَ كرم ملحم كرم الى التاريخ العربي والاسلامي واللبناني. إنّ نظرة المؤلِّف الى العَرَب هي نظرة إكبار خصوصًا ما يتعلّق منها ببعض الشمائل العربية كإكرام الضيف، وحماية المُستجير، وصَوْن الكرامة والشرف. إلاّ أنّنا نلحظ في روايته "صقْر قريش" نفورًا من سَفْك الدماء بطشًا وظلمًا وثأرًا، كما نتبيّن في روايته "دمعة يزيد" امتعاضًا من معاوية وابنه يزيد وابنته صفيّة بسبب عنفهم وريائهم، قال: "معاوية ويزيد وصفيّة، مُثَلَّثُ الدهاء العاتي..."
(10).
وموقفه من الإسلام قائم على الإجلال وإبراز ما في الدين الإسلامي من فضائل، قال: "... الإسلام بدَّدَ من انتفاخ الفِطرة، وفظاظة الغريزة، وأقام للسيطرة حدًّا، وللقوة الرعناء أمَدًا ذَهَبَ بالدعوى الجوفاء، أَقَرَّ بحق الضعيف، فالتقوى والايمان هما سلاح الدين الجديد، لا الرمح والسيف، وحَسْب، وقد محا الدينُ الغطرسةَ، ومزَّق غَشاوةَ الجهالة"
(11).
وبالنسبة الى لبـنان نلحظ أنّ في رؤية المؤلِّف اعتزازًا بلبـنان وإشـادةً بأبنائه الطامحين الى الحرية والكرامة والاستقلال. والكاتب يعتزّ بالجَبَل اللبناني، ولكنه يتصدّى لما يُشوِّه تقاليدَه من عيوب، ويُعرِّف المدينةَ بأنَّها موطنُ خـيرٍ وشرٍّ، وأنَّ الجـانِح الى الشرّ يلقى فيهـا هلاكَه. إنّ المؤلِّف مُصلحٌ وصاحـبُ التزام، والتزامُه هو من النوع البصير لا من النوع المُتعامي عن العيوب جهلًا أو قصدًا.
وموقفه الوطني قائم على الرَّحابة الدينية، فالقارئ لا يشتمُّ من رؤيته أيَّ نزوع الى الطائفية. قال يصف علاقةَ سعاد المسيحية وشادية المسلمة في مجموعتـه "أطياف من لبنان": "...توثَّـقت المودّات. وتـردّدت سعـاد... الى شادية... وتناسى الجميع أنّ ثمة دينًا فاصلًا. بل هم لم يجدوا في الدين غيرَ دعوة الى السماح والتصافي..."
(12).
وأَقْتَبِسُ من حوار بين سعاد وشادية: "قالت سعاد...: ما رأيُك في النصرانية، وأنت تدينين بالإسلام؟ فنطقتْ بالآية الرؤوم: ولتجدن أقربهم الى الذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى!" وأذاعت متحمّسةً: "الله للجميع. والأنبياء ألْسِنَةُ الله. ينطِقون بآياته ويَهدون الناسَ سبلَ الرشاد!"
(13).
وتطرَّق المؤلِّفُ الى الشأن الديني، واصفًا ايّاه في قرية مزرعة الشُّوف، وهو منها، قال: "... والمزرعة على شطرَيْن. في قمّتها الدروز، وفي صَدْرِها النصارى. غير أنها لم تكن ذاتَ لونَيْن في الدين. فالنصارى والدروز على مودّة..."
(14).
وإن ما نَزَل بلبنان من إِحَنٍ ومذابح طائفية سببُه الغرباء الذين تحكّموا في لبنان وفي طليعتهم الأتراك، قال يصف مجازر 1860: "وإذا لبنان يعتكر جوُّه... فالشِّقاق ثار فيهم، وعَرَفوا أنهم دروز ونصارى، وكانوا يجهلون انطباعَهم على فواصل الدين. ولم يكن من مصلحة الدُّوَل أن يسعد لبنان بوحدة بنيه... وغاصت الخناجرُ في الحناجر..."
(15).
وعِداء المؤلِّف لتركيا العثمانية سببه عِداؤها للبنان والعرب، فهي دولة دخيلة عنصرية يهمّها الأتراك، وتُبيح دماء اللبنانيين والعرب للسفّاكين والعُتاة الظالمين أمثال الجزّار، قال في "قهقهة الجزار": "... لا حِساب في الأرواح في البلدان الناطقة باللسان العربي. فالأهلون عَرَبٌ لا أتراك. ومعظمهم حاقدون على الخليفة التركي... فإذا أطاحتْهم الأسِنّةُ... فلن تكون استانبول إلاّ راضية..."
(16).
من الموت الى الخلود المُستمدّ من مَجْد القلم، الى جوهر الحياة القائم على الحب، الى الوطن مَوْئِلِ الحرية والعدْل والإنصاف، ينطلق أدبُ كرم





ملحم كرم زادًا للفكر، وركنًا للحق، وعالمًا من عوالم الإبداع.
(1) كرم ملحم كرم، صرخة الألم، بيروت، دار الضاد، 1980، ص 5.
(2) كرم ملحم كرم، صرخة الألم ، ص 68.
(3) كرم ملحم كرم، صرخة الألم، ص 68 – 69.
(4) المصدر نفسه، ص 69.
(5) كرم ملحم كرم، صرخة الألم، ص 82 – 83.
(6) كرم ملحم كرم، لُبنى ذات الطيوب، بيروت، دار الحياة، 1960، ص 104.
(7) كرم ملحم كرم، أُمُّ البنين، بيروت، مكتبة صادر، 1952، ص 313.
(8) كرم ملحم كرم، صرخة الألم، ص 86.
(9) كرم ملحم كرم، لُبنى ذات الطيوب، بيروت، دار الحياة، 1960، ص 257.
(10) كرم ملحم كرم، صرخة الألم، ص 153.
(11) كرم ملحم كرم، لُبنى ذات الطيوب، ص 109.
(12) كرم ملحم كرم، أطياف من لبنان، بيروت، دار صادر، ص 167.
(13) كرم ملحم كرم، المصدر نفسه، ص 169.
(14) كرم ملحم كرم، المصدر نفسه، ص 211.
(15) كرم ملحم كرم، أطياف من لبنان، الصفحتان 221 – 222.
(16) كرم ملحم كرم، قهقهة الجزّار، بيروت، دار صادر، 1951، ص 198.